قسم التربية والأسرة

الأسباب السّيكولوجيّة للعنف / أنس الهاشم

الأسباب السّيكولوجيّة للعنف / أنس الهاشم

الأسباب السّيكولوجيّة للعنف

مقدّمة:

هل العنف فطري أم مكتسب؟

يراود هذا السؤال الكثير من الناس الساعين لمعرفة الحقيقة في عالم استحال إلى ساحات

صراع برمته، ليتبين أنه هل من الممكن أن توضع قواعد علمية أو ضوابط أخلاقية للحيلولة دون وقوع العنف وما يجره من ويلات .

أم أنّ الأمر متروك للإنسان  منذ  تكوينه الأول، منذ كان جنينا في بطن أمه ثم خرج إلى هذا

الكون يحمل هذه الصفة التي لا تفارقه، فليس له أن يحيد عنها أو يفر منها. هذا التساؤل

استهوى علماء النفس الذين بحثوا في الطبيعة الإنسانية، ساعين إلى تبيان حقيقة هذه النفس

البشرية وعلاقتها بالعنف. أيكون العنف متأصّلا في الطبيعة البشرية أم هي حالة مرضية

عارضة؟

مدرسة فرويد

تعزو بعض النظريات العنف لأسباب فكرية و بيولوجية وميتافيزيقية واجتماعية وغيرها الكثير من النظريات .وهناك أيضا أصحاب النظرية السّيكولوجيّة ( النّفسيّة )، الّذين يرون الانسان  كائنا عدوانيا وميّالا إلى العنف. وتعتبر نظرية التحليل النفسي من أهم النظريات التى كتبت في أسباب العنف عند الإنسان وشوقه إلى إليه وذلك من خلال إيجاد أساس راسخ في قلب الآنية النفسيّة

وإذا ما طرقنا باب مدرسة التحليل النفسي فسنصادف المعلم الأول في هذه المدرسة(سيغموند

فرويد1856-1339) الذي غاص في بحر النفس الإنسانية واستفاض في الشرح عنها وعن مكوناتها ونوازعها. والذي كان قد تأثّر بالداروينيّة فبحث في الجذورالحيوانية عند الإنسان فاستخدم نظرية التحليل النفسي لتفسير ظاهرة العنف ، فالحرب العالمية الأولى خلفت أثرا كبيرا في نفس فرويد. كما أنه قبل هذا بحث في قوة الجنس باعتبارها المصدر البيولوجي للدافعية عند الانسان .

ولكن التدمير الهائل جعل فرويد لا يفكر فقط في مسألة الجنس بل بعوامل أخرى أطلق

عليها غريزة الموت، لقد وجه فرويد صفعة قاسية للإنسان المثالي الحالم من خلال نظرته

للطبيعة الإنسانية. ففي كتابه “قلق الحضارة” صاغ مجموعة من الأفكار التشاؤمية حول واقع

الإنسان ومصيره، فالإنسان عنده ليس ذلك الكائن السموح الظمآن للحب الذي لا يهاجم إلا دفاعا نفسه، بل هو على خلاف ذلك كائن تندرج فيه العدوانية بالضرورة وبقدر لا يستهان به

ضمن معطياته الغريزية 1 وهكذا تكون العدوانية هي الطبيعة والقريحة والسجية بالنسبة للطبيعة الإنسانيّة. .

ولا يكتفي فرويد بهذا فنرى أنه في كتابه “الذات والغرائز يتحدث عن غريزة الموت التى

تهدف إلى الهدم، وإذا ما اتجهت للخارج تبدأ في صورة رغبة في العدوان والتدمير حيث وجد الموت فرصة لتفسير الظواهر الإنسانية المعقدة كالسادية 2 والمازوخية 3

بالإضافة إلى وجود غرائز أسماها إيروس (حب الحياة) ونشمل الغرائز الجنسية وغريزة

الأنا وتهدف إلى تأليف الذرات وتكوين وحدات أكبر والعمل على بقائها وتهدف إلى استمرار

الحياة. أما غريزة الموت فتهدف إلى تفتيت الذرات وتفكيك الارتباطات أي إلى هدم الأشياء

وإنهاء الحياة 4

وبحسب رؤية فرويد فإنّ النفس الإنسانية تنقسم بين قوتين أو غريزتين تتصارعان داخل نفس الكائن لإنساني، إحداهما هي غريزة الموت وتمثل نزعة الهدم والتدمير والأخرى هي غريزة الحياة التي تنزع نحو الاستمرار في الحياة (الإيروس)

وهنا نرى أن فرويد يتصوّر صراعا كبيرا بين هاتين الغريزتين فيقول:” بجانب الغريزة التي

تحافظ على جوهر الحياة وتربطها بصورة دائمة بوحدات أوسع، هناك غريزة مناقضة للأولى

تسعى إلى حل تلك الوحدات وإرجاعها إلى حالتها البدائية (الحالة العضوية)”5

وبرأي فرويد أنه من غير الضروري إضفاء أحكام أخلاقية “الخير، الشر”، على هاتبن

الغريزتين لأن لكل منهما دورها ولا تقل أهمية إحداهما عن الأخرى ولا يمكن لأي واحدة منها أن تعمل منعزلة عن الأخرى، فالأفعال البشرية تخضع للعديد من الدوافع المركبة، وهكذا فعندما يتم تحريض الكائنات البشرية على العنف يكون لديهم العديد من الدوافع بالإيمان بها فبعضها يكون نبيلا والآخ وضيعا..

ومن بين كل الشهوات في الطبيعة البشرية تبقى النزعة التدميرية تعصف بالنفوس

فتدفعها إلى العدوان. والحق أن ما يدعم قوه جاذبية الدوافع التدميرية هو امتزاجها بدوافع إيروسية ومثالية، كما لو أن الدوافع المثالية كانت مجرد ذريعة للشهوات التدميرية 6

وعالج فرويد في كتابه “حياتي والتحليل النفسي”، وفي. المؤلفات التي تمّت في الأعوام التّالية

“ما فوق مبدأ اللذة” نفسية الجماعة وتحليل الأنا و الهو ، الّتي أطلقت العنان للميل للبحث في ظاهرة العنف.

ويؤيد الفيلسوف ايمانويل كانت 1724-1804 رؤية فرويد بأنّ الشّر متجذر في الطّبيعة البشريّة ومصاحب له منذ الولادة . وبذلك يوافق أيضا رأي الفيلسوف توماس هوبز 1588-1679بأن الطبيعة الانسانية  طبيعة شريرة و بأن الناس لو تركوا على سجيتهم لكانوا في عنف وحروب متواصلة ، ويصور لنا هوبز هذه الطبيعة بقوله ” الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”7

النزعة التّدميريّة

وعلى خطى فرويد في تحليل الطبيعة الإنسانية يقدم لنا إيريك فروم (1900-1980)

تصورا شاملا لغريزتي الموت والحياة. وفي هذا السياق يذهب فروم إلى فرضية أن هناك اتجاهين في النفس البشرية اتجاه يناهض كل ما هو حي وينجذب للموت ويميل إلى القتل وعبادة القوة السّاديّة ويسميه “النيكروفيلي”8 واتجاه آخر يسميه “البيونيلي” وهو على العكس تماما من الاتجاه الأوّل ويقاوم الموت ويؤكد على أسبقية الحياة على أي شيء.

9يؤكّد فروم بشكل كبير على النزعة التدميرية في الإنسان. فعند دراسة الظواهر الاجتماعية والشعائرية القديمة نرى هذا جليا، إلا أن فروم يعود ويؤكد على أن هذه النزعة ليست بالضرورة شغفا بالتّدمير.فهو يرى أن الدم البشري الذي يراق ليس في كل الأوقات نتيجة حب الإنسان للقتل .وهنا  يعاين بعض عادات الشعوب المتمثلة بالأضاحي والقرابين التي تقدم للآلهة استرضاء لها ،ويضرب مثالا على ذلك  شعوب “العبرانيين والازتيك” كما قد يكون تكفيرا للذنوب.10.

التربية تولّد العنف

ولم يكتف علم النفس بهذا القدر بل بحث في دور التربية في النزعة التدميرية والعدوانية،

حيث يرى بعض علماء النفس بأن منشأ العدوان يعود إلى التربية.

 وفي دراسة قدمتها مرغريت ميد تتحدث عن هذا الدور وتقدم لنا صورة عن حياة قبيلتين بدائيتين هما  الآرابش والمندنغمور ترى بأن الأطفال في مجتمع متجانس يبدون عند نضجهم صفات ذويهم الطبائعية  وأخلاقهم ، وليس فقط كمحاكاة .

فالعناية عند الارابش تجعل منهم أناسا خيرين ،أما أقرانهم في قبيلة المندنغمور الذين يفتقدون الرعاية يصبحون عدوانيين .11.

كما ونلاحظ أن علم النفس لم يبحث فقط في أسباب العنف والطبيعة الإنسانيّة بل بحث أيضا في آثار العنف وما يخلّفه في النفس البشرية من أمراض وعوارض، فقامت مدارس علم النفس بالبحث في نتائج العنف على النفس الإنسانية وما تخلّفه من صدمات نفسية

وحالات كآبة في نفوس الجنود والناس الذين يرزخون تحت وطأة العنف وبخاصة الأطفال

والنساء 12 .

في الختام

يرى الباحث في أسباب العنف للوهلة الأولى تعدد الوجوه وكثرة التّشظي بين هذه الأسباب .لقد تلوّن العنف بألوان متعددة فكان كالحرباء ومن هنا كان لابد من البحث في أسبابه والوقوف على مسوغاته بعد أن أذكى التّقدم المادي الذي أحرزته البشرية العنف.

وهنا لابد لنا من طرح سؤال مهم :

هل نسلّم بالرأي القائل أن العنف والصراع هو محرك الطبيعة والتاريخ والمجتمع والفرد ؟

وهل العنف لا العقل هو دينامو التاريخ ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1)انظر ، سيجموند فرويد ، قلق الحضارة ،ترجمة جورج طرابيشي ،بيروت ، دار الطليعة ، ط4، 1996،ص72

2)السّاديّة :الظاهرة التي تجعل الانسان يتلذذ في إيذلء الغير

3)المازوخية : الظاهرة التي تعبر عن رضا الانسان وتقبله لما يقع عليه من أذى

4)انظر، سيجموند فرويد،الذات والغرائز ،ترجمة عثمان محمود نجاتي ،القاهرة مكتبة النهضة العربية ،ط3،1961،ص 52-54

5)المرجع نفسه، ص 84

6)انظر ، حسان حماد، الفن والحرب في العصور القديمة رؤية انتروبولوجية ونقدية ، في عالم الفكر،36(2/2007)،93-109،ص65

7)كارل فونكلاوزفيتز ،عن الحرب ،ترجمة شاكر الإمامي ،بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،1997،ص839

8)النيكروفيلي بنظر فروم :كل من يميل إلى ماهو ميت او عفن

Erich From،the heart of man، p39-459)

www .m. ahewar. org10)انظر ، زهير الخويلدي ,معالجة ايريك فروم للنزعة التدميرية عند البشر

11)انظر تيسيرخميس العمر ،العنف والحرب والجهاد،تقديم احمد الكردي ،و جودت سعيد،دمشق،دار الافاق و الانفس ،1416/1996،ص114

12) راجع، صالح الهويدي، مقدمة في الحرب والصحة ،بيروت ، دار ميرزا للطبلعة والنشروالتوزيع،1995،ص147

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: