أخبار لبنانالأسرةقسم التربية والأسرة

التعليم أونلاين: ظروفه وتداعياته – مهند سراج

ما زال التعليم أونلاين الحديث الشاغل لبال الكثيرين، لا سيما مع الأزمات المتلاحقة التي تضرب لبنان منذ شهور، وقد كان أولها التحركات الشعبية التي فرضت التعطيل الجزئي على بعض المدارس في أنحاء البلاد ثم تلتها أزمة كورنا العالمية التي ضمت نفسها إلى أزمات لبنان المحلية. وقد جاء قرار التعطيل رسميا بالتزامن مع التعبئة الصحية العامة، فالتزمت به جميع المدارس الحكومية والخاصة، ثم بدأت العمل جميعها بتوجيه وزارة التربية على التعليم الالكتروني.

وقد تواترت دعوات توقيف التعليم وعدم جدواه لأسباب عديدة منها:

  • النقص المتفاوت بتغطية المناهج قبل أزمة كورونا.
  • عدم جدية الدروس حيث طلبت المراجعة وعدم إعطاء دروس جديدة في كثير من المدارس.
  • عدم القدرة على متابعة الدراسة لأسباب عديدة ليس أقلها عدم توفر أجهزة الكترونية مناسبة من حيث النوعية والعدد لكل عائلة، إضافة إلى أزمة الكهرباء والانترنت البطيء على مساحة الوطن.

ولكن التعليم أونلاين انطلق في لبنان رغم هذه الظروف مجتمعة، والتي أدت إلى وجود تداعيات كبيرة من النواحي النفسية، يمكن الحديث عنها بالتالي:

التداعيات العامة للأزمات:

  • الخوف من المرض وتحوّل الاهتمام إلى الصحة والدواء وتأمين وسائل النظافة، مما ساهم في التغاضي عن الدراسة لفترة طويلة.
  • الضغط النفسي بسبب تواتر أخبار الإصابات والوفيات والإشاعات والأحداث، مما خلق جوا سلبيا لا يتناسب مع الجو الدراسي المطلوب.
  • اجتماع الأسرة الفجائي دون أفق معروف للأزمة مما خلق فراغا كبيرا لم يتم التكيف معه بسهولة، وقد زاد العنف الأسري خلال الأزمة مع تداعياته النفسية والتربوية والاجتماعية.
  • قلق المعيشة والبطالة المتزايدة بسبب الأزمات المتتالية، وهم تأمين لقمة العيش طغى على مسألة التعليم لا سيما التوتر بسبب موضوع الأقساط المدرسية ورواتب المعلمين.

إيجابيات التعليم أونلاين:

على الرغم من أن النظرة الغالبة سلبية إلا أن التعليم أونلاين لها إيجابيات يمكن حصرها بالتالي:

  • التعليم أفضل من الفراغ والانقطاع عن التعليم والجو الدراسي.
  • الإضاءة على ثغرات التعليم التقليدي والتوجه إلى أساليب جديدة في المستقبل.
  • الإضاءة على الحشو في المناهج ودعوات بارزة إلى اختصارها.
  • زيادة الرقابة على دروس المعلمين بشكل أكبر لإمكان تسجيلها وإرسالها لجهات عديدة.

ورغم ذلك إلا أن التداعيات السلبية أكثر بكثير، ويمكن تقسيمها إلى ثلاث أقسام هي التالية:

تداعيات التعليم أونلاين على الطلاب:

  • ضعف الاستيعاب فكثير من الطلاب يشتكون من عدم الفهم بشكل جيد بالصفوف، فكيف عبر الانترنت حيث تقل نوعية التواصل ويقل التنويع بأساليب الشرح.
  • عدم التركيز في الصفوف الالكترونية بسبب الفوضى في البيت.
  • الأثر السلبي للفوضى من حيث تنظيم الوقت بين المعلمين والطلاب، وإرسال الدروس واستلام الوظائف في أوقات غير مناسبة أبدا بالليل مثلا.
  • عدم تحمل الجهاز الالكتروني للعديد من التطبيقات المعتمدة، بدل توحيد التطبيق بين المعلمين.
  • قلة الحضور في الصف الالكتروني نسبة للصف التقليدي، بسبب خلل في تنظيم النوم لدى الطلاب، مما يؤدي إلى فوات الكثير من الحصص والمعلومات.
  • انقطاع الدروس الخصوصية وهي يعتمد على اللقاء الشخصي بين الطالب والمعلم، ويؤدي ذلك إلى الاعتماد على الذات أو شرح الأهل مما يسبب الإجهاد النفسي.
  • قلق الامتحانات لا سيما لدى صفوف الشهادات الرسمية ما بين قرار إلغاء الامتحانات ومنح الإفادات أو إجراؤها في حر الصيف الشديد.

تداعيات التعليم أونلاين على الأهل:

  • زاد هم التدريس فالدور في الأزمة صار أكبر لا سيما مع التواصل المباشر مع المعلمين عبر وسائل التواصل، والاستماع إلى ملاحظات قد تعتبر سلبية لم يكونوا يستمعون لها سابقا بشكل مباشر.
  • ظهور مشكلة تنظيم الوقت بين الأطفال فكل طفل لديه صفوف ووظائف ودروس يحتاج أن يتابعها بنفس الوقت وعلى نفس الجهاز بينما ينتظره أخوه وأخته، وأحيانا صاحب الجهاز أي الأب مثلا يكون خارج البيت طول النهار.
  • بروز مشكلة توفير الكهرباء والانترنت السريع والأجهزة الالكترونية بالعدد المناسب لأفراد العائلة، مما يحرم عدد من الأولاد من فرصة التعلم.
  • ضغط العمل أونلاين لساعات طويلة لمن أتيحت له هذه الفرصة، وأولية العمل على دراسة الأولاد أو العكس لا سيما في حالة الانترنت البطيء.

تداعيات التعليم أونلاين على المعلمين:

  • التحضير التقليدي لم يعد مناسبا للتعليم أونلاين، ولم يكن هناك تدريب مسبق على استخدام الوسائل الالكترونية لتحضير المادة وتقديمها على الانتنرت، مما صعب عملية التكيف مع الجو الدراسي الجديد.
  • التواصل السيء مع الطلاب بداية التجربة من حيث اختيار طريق التفاعل المناسب، وهل الصفوف التفاعلية هي الأفضل أم الشرح عبر فيديوات وتلقي الأسئلة بعدها هي الأفضل، وفي كل الأحوال بعض المعلمين يشتكون فقر النقاش والتفاعل عبر هذه الوسائل.
  • سهولة نقل الوظائف بين الطلاب وعدم وجود اختبارات سريعة يقلل جودة التعليم ويضعف فرصة التقييم الدقيق.
  • قلق المعيشة وحساب ساعات التدريس، حيث لم يطلب من جميع المعلمين بداية إلقاء الدروس أونلاين، إضافة إلى عدم الحصول على الرواتب أو جزء كبير منها.

ماذا يمكن أن نفعل:

تنحصر التداعيات وحلولها المختصرة بالتالي:

  • الضغوط النفسية: يمكن القيام بأنشطة متعددة لتخفيف الضغوط النفسية واتباع الارشادات الصحية والنفسية المتوافرة بكثرة للحصول على الهدوء والاسترخاء والتركيز في القيام بالواجبات، وبحال عدم نجاح ذلك يمكن الاتصال بالجهات التي أمنت خدمات للدعم النفسي الاجتماعي للاستشارة النفسية والتربوية.
  • قلق المعيشة: يمكن تنظيم موضوع الانفاق على الضروريات فقط، واللجوء إلى المؤسسات التي تمنح المساعدات وتأمين مستلزمات المعيشة.
  • مشكلة تنظيم الوقت: من المهم وضع برنامج للأسرة يشمل الأنشطة التعليمية والترفيهية مع جعله متناسبا مع ظروف التعليم أونلاين.
  • مشكلة الامتحانات: ينبغي العمل على أساس أن الامتحانات قائمة عاجلا أم آجلا، والتحضير لذلك وفق برنامج مستقل بالتوازي مع الدروس اليومية وعدم التراخي في ذلك.
  • الاستيعاب والجو الدراسي: ينبغي تأجيل أي مشكلات وإلغاء أي عوامل تتعارض مع دراسة الأولاد، وتأمين الهدوء والجو الإيجابي المناسب للدراسة ويمكن تخصيص غرفة هادئة وبعيدة للدرس فقط لا غير.

إقتراحات:

مر على التعليم أونلاين أكثر من شهر بكل ما فيه ما بين سلبيات وإيجابيات وشكاوى وانتقادات، وسوف يستمر بحال نجاح خطة التعبئة الصحية العامة لمدة شهر كامل، أي ما بين نهاية أيار وبداية حزيران بحيث يعود الطلاب إلى مدارسهم، إلا أن الدعوات لإلغاء العام الدراسي ما زالت قائمة على المستوى الطلاب وأهاليهم، وينضم إليهم قسم من المعلمين والإداريين، كما تؤيدها إحدى السيناريوهات المطروحة لدى وزير التربية التي لن يعلنها إلا في وقتها المناسب إن اضطره الأمر لذلك، أي بحال طلب التمديد التعبئة لشهر لأسابيع إضافية.

وتبقى هذه التجربة خطوة مهمة حتى لو كانت نسبة نجاحها ضئيلة، ولكن لا بد من اقتراحات لتطوير التعليم ومناهجه وأساليبه ومنها ما يلي:

  • اختصار المناهج بما لا يقل عن 25 بالمئة مما لا ينفع في حاضر الطلاب ولا في مستقبلهم.
  • اختصار سنوات الدراسة ما قبل التخصص المهني، لأن هدف الدراسة هو الوظيفة والعمل لا مجرد الدراسة لسنوات طويلة.
  • إيجاد دروس الكترونية رسمية مسجلة وموثقة من قبل نخبة من الأساتذة، ويمكن اللجوء إليها من قبل أي طالب لاحقا في ظل الأزمات، أو يستفيد منها من يريد العودة للدراسة بطلب حر.
  • إيجاد منصة إلكترونية دراسية تفاعلية مع وسائل الإيضاح اللازمة تجمع بين طلاب لبنان وأهاليهم وأساتذتهم في جميع المراحل للتعلم التعاوني المستمر.
  • إعادة النظر في طريقة اختبار الطلاب التقليدية وتقييمهم على أساس تنوع الاتجاهات والذكاءات والميول الدراسية.
  • تدريب المعلمين على وسائل التعليم التفاعلية الحديثة ميدانيا لا نظريا واختبارهم في ذلك بهدف رفع جودة التعليم.
  • الحفاظ على قيمة المعلم وكرامته وحقوقه المعيشية خاصة تزامنا مع رفع جودة التعليم.
الوسوم
اظهر المزيد

مهند سراج

اختصاصي في علم النفس العيادي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: