القسم الأدبي

السعادة – نادين الرفاعي

إستنجدت بي إحدى الزميلات اليوم… ثلاث مكالماتٍ فائتةٍ لم أنتبه لها… وعشر

رسائل أُرسلت في أوقاتٍ مختلفة…إحداها نصٌّ ركيكٌ لم أستطع إكماله…

أريد أن أكتب نصّاً يتحدث عن السعادة…قالت بتوتر واضح في صوتها…لكنني لا

أستطيع…كيف لي أن أكتب عن السعادة في ظل هذا البؤس الذي يجتاح العالم!

حاولتُ أن ألجأ للقواميس، لكتب التنمية البشرية، ولمحاضراتٍ مسجلةٍ لأطباء

نفسيين يتحدثون بملامحهم الباردة عن السبل المثلى لإيجاد السعادة… ولكن

بعد كل بحثٍ أقوم به أسمع صوت المذيعة المشؤوم في التلفاز وهي تحصي

الخسائر المتأتية عن عاصفة “التنين”، ثم زعيق أمي على أختي الصغيرة تأمرها

بأن تعقم يديها جيداً لأنها لمست مقبض الباب الذي عقمته أمي نفسها منذ عشر

دقائق… أحاول نسيان كل هذا والتركيز في موضوع النص الذي أريد كتابته لكن

إحدى زميلاتي تتصل بي لتشكو غلاء الأسعار وتخبرني بمغامرتها في

السوبرماركت حيث دارت معركة طاحنة بين مجموعة من النساء عندما لم يتبقَّ

على الرف سوى عبوة واحدة من “ديتول”…

عليّ أن أعترف… لقد صدمني إصرار هذه الزميلة عليّ… فهي متشائمة دوماً

(حتى عندما يكون كل شيء على ما يرام) كيف لها أن تفكر بالكتابة عن السعادة

في الشهر الثالث من عام إفتتح بتحطم طائرتين… لم أرد أن أزيد توترها

بتساؤلاتي ولا بقلقي حول خلوّ رأسي من أي مصطلحٍ قد يعتبر جزءً من الحقل

المعجمي للسعادة… هدأتُ من روعها.. أخبرتها أن تنعزل في غرفتها بعيداً عن

الاصوات، أن تفصل الإنترنت وتغلق هاتفها لبضع ساعات ثم تعاود مكالمتي لعلي

حينها أجد ما يمكنني مساعدتها به…

أغلقت هاتفي، وعزلت نفسي في غرفتي… طبقت ما طلبت منها القيام به

بالحرف… أغمضت عيني، رسمت دائرة في رأسي، وضعت فيها كل ما يدور فيه

من الأفكار الهاربة من جواريرها، ثم ألقيت الكرة بعيداً… بعيداً جداً حتى خرجت

من أذني واستقرت على السجادة الملونة…

ماهي السعادة؟ أين يمكننا أن نجدها اليوم… وسط كل هذه الفوضى…وسط

صرخات المعذبين… أنين المرضى… موت الجياع…وعويل العواصف…

متى كانت آخر مرة شعرت فيها بالسعادة؟

سمعت بكاء ابن أختي في الغرفة المجاورة…سددت أذنيّ محاولة التركيز… ولد

هذا الطفل بداية هذه السنة المشؤومة، لا زلت أتذكر المرة الأولى التي رأيته

فيها…عندما أمسكت يده الحمراء الصغيرة بإصبعين من يدي وضغطت عليها

بخفة… لا أظن أنه يوجد ما يبث فينا السعادة أكثر من لمسنا لطفل رضيع…

تلك الرائحة المسكرة التي تفوح منهم فتغمرنا البهجة…

أين السعادة؟ من جديد ألح علي السؤال…لا يمكن أن تكون السعادة في

لمسات الأطفال فقط…

طرق المطر نافذتي ففتحت له… أحتاج أن أستنشق بعض الهواء المفعم برائحة

الأرض… تذكرت الصيف الماضي… لم أشهد صيفاً أحر وأرطب منه… ارتسمت

في مخيلتي قطرات المطر الخريفية الأولى، والنشوة التي رافقتها… أتعيش

السعادة في قطرات المطر؟

وكعادتها أعادت هذه الزخات الشوق ليشتعل في قلبي… أسيجلب لي ذاك

العناق الذي أنتظره السعادة؟

مضت خمس ساعات… إتصلت بي زميلتي… سألتني وقد زال التوتر من صوتها…

ما السعادة التي سأكتب عنها؟

-صوتك يوحي لي بأنك تعلمين الجواب… إنه بسيط للغاية…

قد يسمي أبناؤنا وأحفادنا هذا العام بعام البؤس… عام النكبة… أو ربما يكون

اسمه العام الأول من شقاء الإنسان الحديث… قد يكون بداية لنهاية البشرية

المحتومة… قد تأتي بعدنا أجيال أقصى همها أن تجد سقفاً يؤويها وكسرة خبز

تسد بها جوعها… لن تتساءل تلك الأجيال عن معنى السعادة… فالفاقة تحررنا

من ألم التفكير ومن ألم السؤال…ستكون السعادة بالنسبة لهم ذاك السقف

وتلك الكسرة…

أما نحن، من نعيش بداية عصر الإنحدار فنحن نعرف السعادة جيدا… لكننا لا

نقدرها…

السعادة بوصولنا الى البيت بعد يوم عمل طويل… السعادة بلمس رضيع وبعناق

حبيب… السعادة بشفاء أناس لا نعرفهم من وباء فرض علينا حجراً صحياً إلزاميا…

السعادة بالجلوس مع الأسرة، بمشاهدة فيلم على السرير وشرب الشوكولا

الساخنة…السعادة بتحويل آلامنا الى نكت و”ستيكرز” نتبادلها بمرح…السعادة

بشعورنا بالحب الذي تنشره أمهاتنا وهن يعقمن مقابض الأبواب… وبالقلق الذي

يختلج في صوت المذيعة على أرواح لا تعرفهم… وتلك السعادة البلهاء التي

تصيب المرأة المنتصرة في شجار السوبر ماركت وشراءها لعبوة الديتول…

فلسفتنا لمفهوم السعادة جلبت علينا البؤس… فالسعادة بسيطة جداً… كل ما

علينا فعله هو أن نفتح قلوبنا ونقنع بحياتنا وأن نؤمن بأن سعادتنا تكمن في

فتحنا لأعيننا صباحاً بسبب تسلل أشعة الشمس إليها …

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: