أطفالثقافةصحافة و أراءعلوم وتكنولوجياقسم التربية والأسرة

النظرة السادية نحو جيل التعليم عن بعد

يؤسفني أن أكتب هذا المقال، وأن أبدأه بما كتبه أحد الأساتذة والذي أحب أن ينظر للمناهج التربوية من منظور نسبة النجاح، فالنجاح في شهادة البكالوريا قبل الحرب اللبنانية (1975-1990) كانت أقل من 30 بالمئة ولما انتهت الحرب صارت 70 بالمئة، إلا أنها في السنوات الأخيرة فاقت الثمانين والتسعين بالمئة، مما جعل هذا الأستاذ يتأسف على نعمة النجاح! ويهدر ذكاء جيل بأكمله!!! وجعل هذا المعيار العددي دليل فساد في المناهج التربوية.

وهذا ينقلني بالذاكرة إلى حادثة أخرى تقول أن عميد إحدى الكليات طلب من الأساتذة اقتراحات عملية لتحسين مستوى التعليم، فجاءته ثلاثة اقتراحات:

  • الأستاذ الأول اقترح تخفيض العلامات وجعل علامة 69 كافية للعباقرة (والرقم مقصود لمن يفهمه)(1)، وبالتالي ترسيب عدد كبير من الطلاب وخفض نسبة النجاح، حتى يتحسن مستوى التعليم.
  • الأستاذ الثاني اقترح تصعيب المناهج وزيادة المواد الدراسية وساعات التعليم شتاء وصيفا، وتكثيف الامتحانات الجزئية والنهائية وارهاق الطلاب بها، حتى يتحسن مستوى التعليم.
  • الأستاذ الثالث قالها وبكل ثقة: “علموا منيح بيتحسن مستوى التعليم”.

يا سادة، لقد دخلنا في عصر التعليم عن بعد وما زالت القيادة التربوية تعاني من أزمة مزدوجة سادية(2) مازوشية(3)، فلقد أرهقوا حتى نالوا شهاداتهم بتعسفِ مَن سبقهم بالتعليم (ولا يجوز طبعا أن نشكك في شهاداتهم كما يفعلون بنا!)، فأرادوا أن يتماهوا مع المعتدي(4) ليغتصبوا حق جيل بأكمله في محو أميته، والحصول على شهادة البكالوريا التي يعلقها الطالب على الحائط، فهي لا تزيده علما ولا تسمح له بالعمل ولا تؤمن له مهنة يقتات بها رغيف خبز مدعوم مع كاسة شاي مغشوش، وهذا صحيح حتى وإن كانت شهادته محشوة بالرياضيات والبيولوجيا والفيزياء والاقتصاد والعلوم الإنسانية.

ثم يعتبون عليهم أنهم دخلوا بشهادتهم إلى الجامعات! وهل تظنون أن المعاهد والكليات تهيئ طلابها للعمل؟ إنك بحاجة أن تملأ سيرتك الذاتية بالدورات التدريبية مدفوعة الثمن، وتزينها بالعبودية باسم أعمال التطوع  في المؤسسات، وعليك أن تحضر المؤتمرات المملة والمكررة، ثم بعدها تسرد هواتف المرجعيات العليا أسفل السيرة الذاتية، فهي الوحيدة التي سوف ينظرون إليها قبل النظر إلى اسمك وخبراتك، ثم “إنتا وحظك” قد تكون واسطة أحدهم أقوى من واسطتك.

كلا يا سادة، المشكلة ليست في نسبة النجاح، بل هي في مضمون المناهج التربوية، بل هي في هدر سنوات من عمر الشباب لأجل الدراسة غير النافعة، فنحن ندرس التاريخ مزورا والجغرافيا ملوثة، ونحفظ الحقوق المدنية ولا نراها إلا في الخطابات الطائفية، ونحل مسائل الرياضيات ولا نستخدمها في حل الانهيارات الاقتصادية، وندرس الأدب والنحو والبلاغة ولكنها ليست شرطا في التوظيف، فإن كنت لا تتقن اللغات الأجنبية فلا عمل لك! وأيضا لا أحد يبالي بحصص الأخلاق والفن والمسرح، ولا أحد يدرب طلابه على مهارات الحياة لكي ينقذ نفسه في متاهات المجتمع.

أيها الأستاذ، إن الفساد في العملية التعليمية أكبر من الأجيال التي لا تستفيد من شهادتها أصلا، حتى لو كانت المناهج كما تشتهيها نفسك اللا واعية(5)، وانتبه كي لا تخطئ لاحقا بالمقارنة بين أجيال اليوم التي تسعى للهجرة بالأجيال التي افتعلت الحرب وانغمست فيها وقاتلت خلف المتاريس.

هامـــــــــــــــــــــــــــــــــش

  1. إشارة إلى الحب المتبادل (أو النفاق المتبادل) بين الأستاذ والتلميذ.
  2. السادية هي التلذذ بالتعذيب.
  3. المازوشية هي التلذذ بتلقي التعذيب.
  4. التماهي مع المعتدي أي أن يتلقى الطفل التعنيف من والده فيصبح عنيفا عندما يكبر فيتعامل مع زوجته وأطفاله بالتعنيف أيضا.
  5. النفس اللاواعية مكونة غالبا من الرغبات الجنسية والعدوانية.
الوسوم
اظهر المزيد

مهند سراج

اختصاصي في علم النفس العيادي

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: