قسم التربية والأسرة

ثقافة الإعتذار

د. محمود محمد حسن

ثقافة الإعتذار
د. محمود محمد حسن
لقد شرع الإسلام عدة تشريعات ؛ هي في حقيقتها اعتذارات ، ليغرس بذلك في نفس المسلم خلق وثقافة الاعتذار، فالعبادات¬ مثلا¬ نجد فيها أموراً من هذا الباب، فإذا صلى المسلم في صلاته، وسها فيها لانشغاله بعرض من أعراض الدنيا ألهاه، وفقد خشوعه وتركيزه في الصلاة بين يدي ربه، فنسي ركوعا، أو سجودا، أو ما يكون من شأن الإنسان من نسيان في الصلاة، سَنَّ الإسلام علاجا لهذا الخلل والخطأ، فشرع (سجود السهو)، وهو اعتذار لله عز وجل من المسلم الذي بدر منه تقصير بنسيان، بزيادة أو نقص، أو تقديم أو تأخير.
والناس في تعاملهم في الحياة العامة كثيرا ما يخطئون، أو يضطرهم أسلوب الحياة الذي أصبح مصبوغا بأسلوب التجارة ، وانعدام الثقة بين الناس، فانتشر بين الناس الإكثار من القسم بالله، رغم نهي الله عز وجل عن الإكثار من القسم فقال: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم} .
ومن ألوان الاعتذار التي في التشريع الإسلامي: دية القتل الخطأ، فحينما يقوم إنسان بارتكاب حادث طريق¬ مثلا¬ ينتج عنه موت إنسان ، فعليه تقديم اعتذار لأهل المتوفَّى ، وهو اعتذار في صورة تعويض مادي، اعتذارا منه عن خطئه، وقال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -: ” إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره؛ فرب سامع نكراً لا تستطيع أن تسمعه عذراً ” وارتكاب الأخطاء يوقع صاحبها في الحرج، ويضطره إلى الاعتذار عنها.
ذكر الفيروزآبادي أن الاعتذار هو: التحلل من الخطأ، وطلب قبول العذر.
إن حاجتنا إلى ثقافة الاعتذار، وغرسها وتعميقها في مجتمعاتنا وبيوتنا، أمر مُلِح، وأمر نحتاج إليه إن أردنا النهوض، وإن أردنا رضا الله عز وجل، والرفعة لديننا، والنهضة لمجتمعاتنا، فهو يغرس فينا المسؤولية، والوقوف على ما فعلنا من خير فنستمر، وما بدر منا من خطأ فنقيمه، ونقومه، نقيمه بمقياس النقد الذاتي، ونقومه بوسائل العلاج التي رسمها لنا الإسلام، والمجتمع الذي يفقد خلق الاعتذار، ويكابر فيه الجميع، مجتمع يخسر دينه ودنياه.
نحتاج في بيوتنا إلى ثقافة الاعتذار، كم من زوج أخطأ في حق زوجه، وكان يكفي لعلاج خطئه كلمة، بل كليمة، تضمد الجراح، وتقضي على بذرة الشقاق التي يبذرها الشيطان، ونحتاج أن نمارسها كآباء مع أبنائنا، كم من وعد وعدناه لأبنائنا بهدية أو بجائزة، ولم نتمكن من إنجاز الوعد، وكان يكفي الطفل كلمة حلوة تعتذر عن تأخر الوعد، وتعد بإنجازه عند الاستطاعة.
إن الاعتذار كلمة، لكن لها مفعول السحر على النفوس، تلين بها القلوب الغليظة، وتمحو خطأك نحو الناس مهما كان، فكم من كلمة أوقدت حربا ونارا، وكم من كلمة اعتذار قصيرة أطفأت نار حقد وخصام يأكل الأخضر واليابس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: