القسم الديني

حياتك من صنع أفكارك

 د. محمود حسن / دكتور مقارنة الاديان بجامعة الازهر الشريف

أفكارك هي التي تحدد مصيرك ، ولكي تدير عجلة حياتك ؛ لا بدَّ أن تتخذ قراراتك

باتزان أفعالك والتي هي ‏وليدة أفكارك ، هبة

الحياة للعبد في ذاتها نعمة ، خلق الله لنا أروحاً مُستقلة وقُلوباً مختلفة، لنقرر

خيارات ‏حياتنا بأنفسنا، فالسعادة والسكينة أو

الشقاء والقلق ينبع من خيار أنفسنا فحياة الإنسان كما السائل الذي ‏يتلون بلون

الإناء الذي يحتويه، فمن رضي فله الرضى

ومن غضب فله الغضب.‏

حقيقة الأفكار التي تشتعل في الذهن وتعتمل في النفس هي ركيزة حياتنا،

فإن ساورتنا أفكار سعيدة كنا ‏سعداء، وإن

خامرتنا أفكار شقية غدونا أشقياء، فتذكر دائما أن حياتك هي اختيارك، فعليك أن

تغلق أذنيك ‏عن الضجيج الخارجي، وتبدأ

بالإنصات لصوت قلبك الذي تجاهلته منذ زمن فغالباً ما يكون صحيحاً.‏

الإيمان بأنك وحدك من يصنع حياتك لا أحد سواك، فجميع الأديان لن تخرج عن

طبيعتها في اعتبار النفس ‏هي المسؤولة عن

الأفكار والقرار، والتي بدورها تقدم حياتك فإما صالحا وإما ممقوتا، فالحياة مِن

صنع مَن ‏يعشيها، وجملة من الأفكار تحولت إلى

عَزيمة فعل، ثم طُبقت على أرض الواقع ضمن سلسلة من ‏المسارات.‏

إن المرئي هو انعكاس للباطني عند الإنسان ويؤكده، فسلوكنا نتيجة أفكارنا،

وسرعان ما تتحول هذه ‏الأفكار إلى قناعات وقيم

داخلية، فكثير مَن أحاطوا أنفسهم بعائق الهلع وحاجز الخوف، مما أجهض ‏

تطورهم وسعادتهم وإمكاناتهم، وبعضهم يعتقد بأنهم

غير محظوظين في حياتهم، فيسبب لهم هذا الاعتقاد ‏الفشل والإحباط، وعدم

الإقدام على صناعة مستقبل متألق لحياتهم،

وقد نهانا الحبيب المصطفى عن الطيرة ‏والتطير؛ لأنها باب من أبواب الشرك

وسوء ظن بالله بغير سبب محقق، فيجب علينا أن

ننظر إلى نصف ‏الكأس المملوء، واختلاق المنفعة في المواقف السلبية، لنحافظ

على الروح الإيجابية بداخلنا، فالعثرات لا ‏

نعتبرها زلة؛ بل فرصة جديدة منحتنا إياها الحياة لنبدأ من جديد.‏

في عقولنا البشرية تكثر الأفكار الجيدة وتتزاحم في خلق فرص إبداعية في

الحياة على جميع الأصعدة، فمن ‏الضروري أن

نطهر عقولنا من دنس الأفكار الخبيثة، وصياغتها بكيفية جوهرية من بدايتها حتى

لا ندخل ‏في دوامة حيل العقل؛ لأننا كما

نعلم عندما نمنع فكرة بإجبار، تلد فكرة أخرى، فلتكن أنت دون تقليد، ‏لتعطي

نفسك مساحة من التروي والتمعن، حتى

نجعلها تخرج بسلام، يقول (ديل كارينجي) في كتابه (دع ‏القلق وابدأ بالحياة)

فصلاً بعنوان: حياتك من صنع أفكارك، وهي

حكمة رومانية قديمة، قال فيه اعتقادي ‏الذي لا يتطرق إليه الشك، أن المشكلة

الكبرى التي تواجهنا، هي كيف نختار الأفكار

الصائبة السديدة، ‏فالإنسان هو حصيلة أفكاره جميعا، فالعالم الخارجي صورة

للداخلي، والعالم الداخلي يرّسخ الخارجي.

يحكى أن أحد الحكماء خرج مع ابنه خارج المدينة ليعرفه على تضاريس الحياة

في جو نقي بعيد عن صخب المدينة وهمومها

سلك الاثنان وادياً عميقاً تحيط به جبال شاهقة وأثناء سيرهما تعثر الطفل في

مشيته سقط على ركبته صرخ الطفل على

إثرها بصوتِ مرتفع تعبيراً عن ألمه : آآآآه

فإذا به يسمع من أقصى الوادي من يشاطره الألم بصوت مماثل :آآآآه نسي

الطفل الألم وسارع في دهشةٍ سائلاً مصدر

الصوت : ومن أنت؟ فإذا الجواب يرد عليه سؤاله : ومن أنت ؟

انزعج الطفل من هذا التحدي بالسؤال فرد عليه مؤكداً : بل أنا أسألك من أنت ؟

ومرة أخرى لا يكون الرد إلا بنفس الجفاء والحدة : بل أنا أسألك من أنت؟

فقد الطفل صوابه بعد أن استثارته المجابهة في الخطاب فصاح غاضباً “أنت

جبان” فهل كان الجزاء إلا من جنس العمل وبنفس

القوة يجيء الرد “أنت جبان” أدرك الصغير عندها أنه بحاجة لأن يتعلم فصلاً جديداً

في الحياة من أبيه الحكيم الذي وقف بجانبه

دون أن يتدخل في المشهد الذي كان من إخراج ابنه قبل أن يتمادى في تقاذف

الشتائم تملك الابن أعصابه وترك المجال لأبيه

لإدارة الموقف حتى يتفرغ هو لفهم هذا الدرس .تعامل الأب كعادته بحكمة مع

الحدث وطلب من ولده أن ينتبه للجواب هذه

المرة وصاح في الوادي :” إني أحترمك ” كان الجواب من جنس العمل أيضاً فجاء

بنفس نغمة الوقار ” إني أحترمك ” عجب

الشاب من تغير لهجة المجيب ولكن الأب أكمل المساجلة قائلاً: ” كم أنت رائع

“فلم يقل الرد عن تلك العبارة الراقية

” كم أنت رائع “ذهل الطفل مما سمع ولكن لم يفهم سر التحول في الجواب ولذا

صمت بعمق لينتظر تفسيراً من أبيه لهذه

التجربة الفيزيائية .

علق الحكيم على الواقعة بهذه الحكمة ” أي بني : نحن نسمي هذه الظاهرة

الطبيعية في عالم الفيزياء (صدى ) لكنها في

الواقع هي الحياة بعينها إن الحياة لا تعطيك إلا بقدر ما تعطيها ولا تحرمك إلا

بمقدار ما تحرم نفسك منها , الحياة مرآة أعمالك

وصدى أقوالك , إذا أردت أن يحبك أحد فأحب غيرك , وإذا أردت أن يوقرك أحد

فوقر غيرك , إذا أردت أن يرحمك أحد فارحم غيرك , وإذا أردت أن يسترك أحد

فاستر غيرك , إذا أردت الناس أن يساعدوك فساعد

غيرك ,وإذا أردت الناس أن يستمعوا إليك ليفهموك فاستمع إليهم لتفهمهم أولاً .لا

تتوقع من الناس أن يصبروا عليك إلا إذا صبرت عليهم ابتداء .

سعادة الإنسان أو شقاوته أو قلقه أو سكينته تنبع من نفسه وحدها إنه هو الذي

يعطي الحياة لونها البهيج ، أو المقبض، عاد

النبي صلى الله عليه وسلم أعرابياً يتلوى من شدة الحمى فقال له مواسياً

ومشجعاً (طهور) فقال الأعرابي بل هي حمى

تفور على شيخ كبير لتورده القبور قال: (فنعم إذاً) .

يعني أن الأمر يخضع للاعتبار الشخصي فإن شئت جعلتها تطهيراً ورضيت وإن

شئت جعلتها هلاكاً وسخط .

اظهر المزيد

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: