القسم الأدبي

حينما ترهقنا نظرة الآخر عنا عزام حدبا

حينما ترهقنا نظرة الآخر عنا عزام حدبا

الجحيم هو الآخرون

هذه العبارة وردت في مسرحية لسارتر وقد فُهمت دوماً على نحو خاطئ حيث

فهمها الناس على ان كل العلاقات بين الناس مؤذية ومضرة ولكن سارتر عاد

ليوضح أن المقصود شيء مختلف.. المقصود ان نظرة الآخر الينا كثيرا ما تحكم

نظرتنا عن انفسنا. لماذا؟ لأنّنا في أعماقنا نعتبر الآخرين أهم ما لدينا لنتعرف

على ذواتنا. وهذا يعني إذا كانت علاقاتي سيئة سأضع نفسي في تبعية تامة

للآخر ولنظرته لي وعندها سأعيش فعليا في الجحيم.

الدجاجة وحبة القمح

رجل مختل عقليا يعتقد انه “حبة قمح” ويخاف ان تأكله الدجاجة. فيأتي الى

الطبيب بحثا عن المساعدة، فيخبره الطبيب انه انسان وليس “حبة قمح”،

وبالتالي فان الدجاجة لا يمكن ان تأكله. فيطمئن قلبه ويشكر الطبيب ويذهب،

وبعد قليل يعود راكضا للطبيب ليخبره انه رأى دجاجة فعاد مهرولا. فيذكّره

الطبيب انه انسان وليس حبة قمح، فيرد المريض، نعم فهمت ذلك وعرفته، ولكن

هل تعرف الدجاجة ذلك ايضا؟

ان معرفة حيثيات موضوع ما، اي كون الرجل انساناً وليس حبة قمح، وبالتالي

فان الدجاجة لا يمكن ان تأكله، امر يفترض انه كاف ونهائي لحسم الموضوع.

ولكن هناك جانب في النفس البشرية، لا يصادق على “المعرفة” المتوفرة في

حيثيات موضوع معين، الا مع احساس ضمني بمصادقة خارجية عليه ايضا.

الآخر الكبير

وضع لاكان مفهوم “الاخر الكبير” كإشارة الى القواعد او القوانين او الاعراف او

الاجماع الواسع النطاق على امر ما من قبل المجتمع، وكيفية تأثير كل ذلك في

الجانب اللاواعي في سيكولوجية الانسان. وهو في المثال السابق الدجاجة

وفي مثال مسرحية سارتر كان الآخرون الجحيم بذاته.

تلخيص لكل ما سبق

غريب جدا كيف تحكم نظرة الآخرين عنك نظرتك عن نفسك أحيانا.. فإن قالوا عنك

بخيل او كسول او خامل او غبي اقتنعت بما يقولونه عنك والأغرب من ذلك هو

حينما تكون مقتنعا مئة بالمئة انك لست كما يصفونك.. مع ذلك تتألم جدا من

وصفهم لك وتتأثر جدا بما يقولونه.. هذه الاشكالية هي التي تطرحها بوضوح

قصة الدجاجة وحبة الذرة. في معظم الأحيان نحن راضون عن أنفسنا.. ونتعايش

مع نقاط ضعفنا ونواقصنا ولكن نظرة الآخر لك خاصة من هو في الدائرة

المتوسطة (والقريبة أحيانا) تشعرك بالنقص بشكل رهيب.. فهم يتوقعون منك

الكمال وأن تكون ملما بكل شيء وحاذقا في كل شيء.. او يريدون منك أن تكون

نسخة مطابقة عنهم بكل ما وهبهم الله من امكانات ومهارات.. دون ان يراعوا انك

تتفوق عليهم في مجالات قد تكون خفية عليهم فالانسان يشبه جبل الجليد

وتسعون في المائة منه مخفي عن الناس.

المناعة ضد كلام الناس

الجميع يبحث اليوم عن لقاح ضد الكورونا.. وأنا اتساءل كم يلزمنا من لقاح ضد

كلام الناس وتقييمهم لنا.. ليت لنا القوة كي نستند في تقييم أنفسنا على

أنفسنا فقط ويكون لنا ملء الثقة بهذا الحكم ففي النهاية لا أحد يعرف عن

الشخص أكثر من نفسه. دون أن يعني هذا ايضا أن نقع في فخ التقدير المبالغ

فيه او في فخ انكار العيوب وتجاهلها ودون أن يعني هذا أن لا نبالي بالمرة برأي

الناس فينا ولا نحاول أصلاح هذه النظرة ان استطعنا. قد يكون الانفكاك عن رأي

الآخر سهلا على البعض ولكنه بالتأكيد صعب على كثير من الناس وأنا منهم..

لذلك كمؤمن يهفو قلبي للجنة فهناك سأكون أفضل نسخة من نفسي أولا

واتخلص من عيوبي.. وهناك وهذا هو الأهم.. لن تؤثر علي نظرة الآخرين

المجحفة عني والمنحازة.. نظرتي لنفسي ستكون مبنية فقط على تقييمي

الشخصي. من هذا الباب ان كان الجحيم هو الآخرون في هذه الدنيا.. فالنعيم أو

جزء منه هو الاكتفاء بالذات في الجنة.. هو التخلص من كل أوجه الأذى من

الآخرين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: