القسم الأدبي

راجعوا نصي

راجعوا نصي

/سارة قاسم

أسدلتُ ستائر شبابيكِ غُرفتي المُطِلَّةِ على منازلِ

جيرانِنا القُرويّين، الذين لم أرَهُمْ منذُ أشهُرٍ بعيدة،

علَّقتُ سمّاعةً واحِدَةً في أُذُني عساها تُنافس

الضَّجيج الذي يَغزوها، فَيطغى الصَّوتُ الصّادر مِنها

على ما هو عالقٌ في داخلها…

لم يُعجِبني هذا قطّ، وأنا ما الذي يُعجبني أساسًا؟!

لاحظتُ بأنَّ ستائر البابِ مفتوحةٌ، وتُطِلُّ على

“أُسطوحٍ” قد بُنِيَ بعدَ رحيلنا، لنْ أُحِبَّهُ أبدًا، لقد

حجب عنّا رؤيةَ الطّريقِ، فأسدلتُ ستائرَ البابِ بَعدَ

أن أغلقتُهُ، وسادَ الظَّلام في وَضَحِ النّهار…

دقّت السّاعة الواحدةُ والنِّصف  ظُهرًا، لو كان يَومَ

دوامٍ مدرَسِيٍّ لَدَقَّ الجرسُ مُعلِنًا مَوعِدَ انصِرافِ

التّلاميذ، ولو كان نهايةَ يَومِ دوامٍ جامعيّ، لَكُنتُ

اﻵنَ أستَقِلُّ سيّارة أُجرةٍ في طريقِ العَودَةِ إلى

المَنزل…

ولكنّ السّاعة هي الواحدة والنّصف  ونحنُ في

مَنازلنا…

أُريدُ أن أتعلَّمَ الطَّبخَ الذي لا أعلمُ عَنهُ إلّا الشَّيءَ

القَليل، أَفخَمُهُ المعكرونة باللّبن. عندما دخلتُ

المَطبَخَ ﻷوَّلِ مرّة ظننتُ أنّي سأفشل، وبعدها بدأتُ

أُحبُّ ما أقومُ بهِ يَومِيًّا…في المرة اﻷخيرة، أثناء

استِراحَةِ أُمّي مِنْ عَمَلِها الدائِم الذي لا ينتهي،

قطَّعتُ الخضار وكلّ ما أُريد تقطيعَهُ بِتَأنٍّ،

وحضرتُ المُستلزمات، ووضعتُ الطّبخة على نارٍ

هادئة، والسّلطة في صحن على الطاولة، وفي

الخِتام، وضعت القليل من البهارات للنّكهة لا أكثر.

هذه المرّة نجحتُ دون إشراف أُمّي، والكل يريد أن

يأكل مِمّا حَضَّرتُهُ، وراحت جُمَلُ المَديحِ تنهالُ على

مسامِعي: “أتاريكِ طبّاخة ونفَسِك طيِّبْ!”، حقًّا؟!

عِندَها أدركتُ صِحّة مقولة جورج صاند حين قال:

“حين تتقن  شيئًا فأنت تُتقن  كلّ شيء”، أنا أتقنتُ

كتابة الشِّعر في اللُّغة الفرنسية، لا أنسى كيف بدأتُ

يومَها وكيف تجرأت على اﻹكمال، رغم فشلي في

البداية. كلّ ما أتقنتُهُ في الحَياة بدأ بالفشل. أذكرُ

حين طُلبَ منّي أن أكتُب شِعرًا، كنت قد كتبتُ نثرًا

ذا محتوًا شِعرِيّ، فَقالت لي دكتورتي حينها: “لو

كان امتحانًا لرسبتِ”، وعندما كُنت في الثّانوية،

كنت أظنُّ إن وضعتُ البطاطا المقليّة في الزيت

تظلّ ساخنة. أمّا في التّعليم الخُصوصي ،كنت

أخاف الفشل حين تتصادف امتحانات تلامِذتي مع

امتحاناتي، ولكن كنتُ أنجح أكثر من الذين لا

يعملون شيئًا. ومع ذلك لم أفشل بأيّ شيءٍ رغم

الخوف، لَرُبما الخوف كان الحافز اﻷوّل لِاستِمراري

الدائم…

كُلَّما أرَدتُم تحقيق أشياء تحبّونها، واتَّهموكم بأنّكم  مُبتدؤون، راجعوا نَصّي الذي ينعتونَهُ بِصِفَةِ “التَّفخيم/ لِذاتي”، وقول جورج صاند العالمي…

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: