أقلام وأفكار حرة

رحلةُ قلب.. ليال ابراهيم

رحلةُ قلب.. ليال ابراهيم

قال:”فإذًا لا حَلَّ آخر، تسجّلي مع أختِكِ في معهدِ الشريعة،الثانوية يا ابنتي لمن يطمحُ بِجامعةٍ وما يليها، ونحنُ لا نطمحُ إلّا بِقوتِ اليوم والسّلامة؛ لَم يتيسّر لي تأمين مستقبلٍ لأُختيكِ وها أنا ذا أقفُ عاجزًا من جديد”.
لم أكنْ أعلمُ حينها ما الشريعة، ولِمَ يتحسّرُ أبي على الثانوية،وهل عليّ أن أُفكِّر بالمستقبلِ أو أن أرسمه!
وأنا التي لم تُفلح يوما بالرّسم! كل رفاقي يرسمون نصفَ شمسٍ تغطيها غيمة سوداء، وأنا أرسم الشمس كاملةً وأقول:”كيفَ تُغطُّون الشمسَ بغيمة؟!!”
ضياعُ الهدفِ هذا لم يكن ذنبي بل كانَ خَللاً في التّربية، خَلَلٌ سبَبُهُ والداي، لا عامِدَينِ ولكن جاهِلَيْن، وهذا عزائي!
لا أُنكرُ أنّنا تربّينا على قِيمٍ كثيرةٍ فُقدَ أغلبها اليوم، تربّينا على الإنصاتِ والاحترامِ والرِّضى…
لكن لم نُعلَّم ماهيّة الدين، لم نؤمر بصلاةٍ ولا بتَدبّر الآيات، ولا أذكر أنّنا تحدّثنا يومًا عن اليوم الذي يليهِ حديثَ من يعلمُ سبب وُجودِه!
وإن كان يُعذرُ جيلُ الخمسينِ بجهلهِ، فهل يُعذرُ جيلُ الحَداثة!!

سَلكتُ سبيل الدّعوةِ لا باختياري، ولكن بقضاء الله وتسيِيرِه، وهذا لعمري شرفٌ عظيم!
“لم يكن الأمرُ بذاكَ السّوء، على الأقل هو أفضل من الجلوس في المنزل ومصارعة أواني المطبخِ وغبارِ غرفةِ الجلوس!” هكذا حدثتُ نفسي بعد أول يومٍ دراسيّ.
من بعدها صارت الأيام تتسابق أيُّها يحتلّ الجزء الأكبر من عقلي، وكلام أهلِ اللهِ ينمو في قلبي ويُزهر، ويبدو على وجهي وفي دمعي، صار يُسمع في أنيني وهمسي.
تلك التي عجِزت عن التّخطيط لمستقبلها وحده، تتحدث الآن عن مستقبلِ الأمة كلّها!! شيءٌ عجيب!!

مرّت تسع سنواتٍ على ذاك اليوم، أجلسُ الآن في غرفتي أقرأُ قصةَ فتاةٍ نصرانيةٍ عمرها ستةَ عشر عاما تقول:
“إعتنيتُ بوردتي ورهنتُ لها جُلّ وقتي فذَبُلت!
أحببتُ قطّتي حبا جمًّا فماتت!
تعلّقتُ بجدتي وقسماتِ وجهها ففارقتني!
رُحتُ أهيمُ على وجهي في شوارع المدينة، وسؤال واحدٌ يدُقُّ جدرانَ عقلي: ما هو الموت! ولِمَ الفراق!
لا والدٌ يهتمُّ لأسأله، ولا أمّ تنصتُ لأحدّثها!
رحت أبحث عن جواب في الكنائس والمعابد، اسأل الأحبار والرهبان وعبدة القرود، حتى قادني البحث إلى مسجدٍ ما، أهداني إمامه نسخةَ مُصحفٍ مترجمة، فتحتُهُ وجلستُ أقرأُ حتى وصلتُ إلى آية في سورة الملك تقول:
{ الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيٰوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ }
فأيقنتُ أنه الجواب، وأن الحياة ابتلاءٌ عظيم، وأنّ زهرتي لم تعاندني، وقطتي لم تسأم الحياة معي، وجدتي لم تختر الفِراق!
فهِمتُ سبب وجودي، فاطمأنَ قلبي، وأسلمت!
أسررتُ إسلامي سنتين كاملتين، وفي عيد مولدي الثامن عشر، وقف أبي يُهنّئني بحريتي، فقدْ بلغتُ سنّ الاختيار القانوني، لا سلطان لأحدٍ عليّ الآن إلا نفسي.
قمتُ أمام الجميع بلهفةِ من ينتظر تلك اللحظة منذ سنوات وأعلنتُ إسلامي!
أمي أغمي عليها، وأبي ابتسم ابتسامة صفراء وقال: إذًا تريدين أن تُضربي كلّ يوم!
جهلٌ مركب وحكمٌ مسبق، يظن أن الإسلام يعني ضرب المرأة وتعنيفها صباحًا ومساءً”.

كنتُ أقرأ تلك القصة وأبكي؛ فتاةٌ تبحثُ عن نقطةِ ماءٍ تروي فؤادها الأجرد في وسط صحراء لا حدّ لها، ونحن عندنا المحيطُ ولا نكترث!!
خللٌ آخر في التربية، فؤادٌ آخر يهيمُ على وجهه سنينا بسببِ من ظنّ أن مهمته الإنجاب فقط.

أقولُ -برجاءِ آلافِ التائهين- لكلّ والد ووالدة: علّموا أولادكم القرآن قبل كلّ شيء، أدّبوهم، أرسموا لهم خُططا لمستقبلهم، حدّثوهم عن الذين تحرَّقوا فتألّقوا، وعن قصصِ الذين بَلَغوا وبَلّغوا، جالِسوهم، جارُوا عقولهم، استغنوا عن ساعةٍ من نهاركم، ساعةٌ واحدة تُقضى مع ولدكم خير من ألف لقمةٍ توضعُ في فمه!
علِمتُ الآن أنّ كلّ الذين غيّروا العالم كانوا مثلنا تماما، لا يختلفون عنا بشيء؛ إلّا أنّ أحدًا ما اختصرَ عليهم سنينَ التّيه، أحدٌ ما أفنى حياته لأجلهم!
أحدٌ ما، حاول بطريقةٍ ما:
أن يدُلّهُم على الطّريق!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: