أقلام وأفكار حرة

سيكولوجية الطبقة الحاكمة في لبنان

عزام حدبا

قد يبدو المقال ساخرا بالنسبة للبعض ولكن بالنسبة لي أنا اطرحه بكل

موضوعية وشفافية وبدافع الفضول المعرفي لا الحشري.. ان سألت اي مواطن

في لبنان اليوم “مني وجر” سيقول لك انه يرغب بالهجرة ان تيسر له الأمر.. فلا

شيء في هذا البلد يشجع على البقاء.. لا فرص عمل.. لا نظام.. لا انتاج.. لا

عناية صحية.. لا احترام لكرامة الانسان.. لا بنى تحتية.. لا شيء.. مع ذلك فهناك

مواطنون من طينة خاصة لا يرغبون بالسفر والهجرة.. نعم انهم الطبقة

السياسية الحاكمة.. وهذا مستغرب عندي.. فعلا مستغرب واطرحه بشكل

جدي.. بل افكر فيه كل الوقت ولا اجد له جوابا.. لذلك كنت اتمنى لو ان مفكرا

شهيرا مثل جوستاف لوبون كتب لنا شيئا عن سيكولوجية الطبقة الحاكمة بدلا

من ان يكتب عن سيكولوجية الجماهير. والى ان يتطوع احد هؤلاء المفكرين

بالحديث عن سيكولوجية هذه الطبقة او يكتب احد اعضاء هذه الطبقة خطابا

صادقا لنا عن اسباب تمسكه بالبقاء في لبنان.. لنفتح انا اواياكم جلسة دردشة

قصيرة حول هذا الموضوع محاولين تحليل نفسية هذه الطبقة علما اني اعترف

منذ البداية ان محاولة فهمها عملية معقدة..

– لا معنى للنفوذ في هذا البلد

بداية فلننطلق من الزعامات العالمية التي نعرفها.. لا يشبه حكامنا طبقة الحكام

الدكتاتوريين الشموليين مثل هتلر وستالين وموسولوني وماوتسي تونغ وصدام

والقذافي هؤلاء تمتعوا بسلطة مطلقة على الارض ضاعفت عند بعضهم من

جنون العظمة (لم اشمل الكل احتراما لمحبة بعض رفاقي لبعض الرموز منهم)

لكن في لبنان لا توجد مراكز نفوذ تستحق ما يبذل من اجلها من كفاح وجهد..

بالعامية ما في شي محرز.. يعني اناس عندها هذه الاموال الطائلة لماذا تتعب

نفسها بالبقاء في هذا البلد؟ نعم نحن نعرف ان السلطة عامل اغراء يتفوق على

المال.. لكن اين السلطة واين النفوذ في هذا البلد؟

– لا مبادىء سامية تحرك الزعماء

اذا لم يكن حكامنا يشبهون هتلر وامثاله فهل يشبهون مانديلا وغاندي وتشي

غيفارا ومارتن لوثر كينغ؟ ايضا لا.. لقد تحمل هؤلاء كل المصاعب من اجل قضايا

آمنوا بها.. لكن في لبنان لا يحمل الزعماء والحكام اي قضية سوى استمرارهم

هم وذريتهم في الحكم والمحافظة على كراسي اصبحت اليوم مفرغة من

معناها.. وهنا ايضا اسمح للبعض ان يستثنى بعض السياسيين ممن يحبهم اذا

امتلك الدلائل انه مختلف وانه يملك قضية يدافع عنها..

– لم يعد هناك مال لينهب

وان كان استمرارهم في السلطة هو لنهب هذا البلد فلا اظن انه بقي فيه من

المال لينهب.. وانا احسن الظن فيهم فلا اظنهم من القسوة ومن الغباء ومن عدم

المبالاة ليسرقوا اموال الفقير الذي لا يجد لقمة عيشه كي يضيفوا حفنة من

الدولارات على اموالهم الطائلة.

الخوف من الفراغ ومن الفوضى

اما ان كان بقائهم في الحكم والسلطة هو خوفهم من الفراغ ان رحلوا فكان

يتوجب عليهم في هذه الحال ان يقيموا اقامة المضطر ويبحثوا عن بديل يأخذ

مكانهم لا ان يتمسكوا بالسلطة بهذا الشكل.. وان كان خوفهم من الفوضى عند

رحيلهم فكيف يتصرفون بطريقة تشعل هذه الفوضى عند كل محطة؟؟ فلا نراهم

الا يتخاصمون ويتشاتمون ويلقون المسؤولية على بعضهم البعض بدلا من يعترف

كل منهم بذنبه وتقصيره ويحاول تناسي خلافاته السياسية والشخصية لحل هذه

الأزمة التي تعصف بالبلد.

حماية الطائفة

قد يدعي البعض ان وجوده ضروري لحماية الطائفة.. لا افهم كيف يحمي الطائفة

من خطر بعيد الاحتمال يتمثل في هجوم طائفة اخرى عليها وهو لا يستطيع ان

يحميها من خطر الجوع والفقر وهو خطر حقيقي وواقع.. رغم كل الهزات الطائفية

التي وقع فيها هذا البلد اثبت اللبنانيون وعيهم ولم ينجروا الى حروب طائفية

وذلك لم يكن ابدا بسبب رجاجة عقل زعماء الطوائف ابدا بل على العكس كان

هؤلاء يتولون دورا تحريضيا يشعل النار بدلا من ان اطفائها. على كل حال ان كان

هناك زعيم يرى في نفسه او يراه اتباعه زعيما غير قابل للاستبدال فليبق.. علما

ان التماهي بين شخص الزعيم والطائفة خطير وربط مصير طائفة بمصير زعيم

اخطر.

محبة الناس له

قد يظن بعض الحكام ان قسما من الشعب يحبه.. لكن ماذا عن القسم الكبر من

الناس الذي يكرهه؟؟ فليقسها كلنا على نفسه.. كلنا يعرف عددا كبيرا من

الناس، والقسم الاكبر من معارفنا يحبوننا وفقط قسم صغير يكرهنا في العادة..

اما السياسي في بلادنا فالعكس تماما.. ليس فقط هو مكروه من القسم الاكبر

من الناس بل هو مكروه بشدة.. وهو يشتم كل يوم.. بل اكاد اجزم ان محبيه لا

يحبونه عن محبة صافية انما لمصلحة ما او مخافة من اذاه..

اشفق عليهم

قد يظن البعض اني اسخر ها هنا.. لكن فعلا انا اشفق على هؤلاء.. كيف كان

شعورك ليكون ان كنت تعيش في بلد الكل يكرهك فيه.. لا احد يصدقك ويصدق

اكاذيبك.. الكل يشتمك.. ومع ذلك انت ما زلت جالسا على قلوبهم.. في بلد منهار

لا معنى للسلطة فيه ولا عز ولا جاه.. ليس هناك مزيد من المال لينهب.. عاجز

عن تقديم اي حل.. غارق حتى اذنيك في تكرار وعود لم يعد يصدقك احد فيها..

تتلهى في رمي التهم على غيرك ولا تتجرأ ان تعترف بفشلك.. تظن نفسك

صمام امان وركنا لا يستطيع هذا البلد الاستغناء عنه لكنك تعرف في قرارة

نفسك ان وجودك وعدمه سيان.. بل غيابك افضل.. ما دام الله قد انعم عليك من

المال ما يكفيك ان تعيش مرتاحا انت واولادك واحفادك في بلاد تتمتع فيها بكل

رفاهية الحياة فلم تعيش في هذا البلد؟؟ صحيح ان حياتك هنا اسهل من غيرك..

انت لا تقف في الصف والطابور.. لكن بعض الاشياء هنا تطالك كما تطالنا.. فأنت

تمر على نفس الطرق التي نمر عليها.. وتعيش في بلد مخنوق بالتلوث الفعلي

والبصري والسمعي الذي يطال الكل ولا يوفر الاغنياء والزعماء منه.. والاهم من

ذلك انت مكروه فيه..

الخلاصة

اعرف اني لن اصل الى نتيجة في هذه القراءة.. فالمنطق الذي يفكر فيه هؤلاء

مختلف عن منطقي ومنطق الشعب الذي انتمي اليه.. وربما ليس هناك منطق

على الاطلاق عندهم في الاصل.. ربما لا يملكون الوقت للتفكير في التغيرات

التي حصلت مؤخرا وما زالوا يعيشون امجاد ماضيهم “غير المشرف” مصرين

على تكرار نفس السلوغونات الخشبية التي لم تعد تنطلي على احد الا

ازلامهم.. كنت اتمنى لو استطيع ان افهمهم.. كنت اتمنى ان يكتب احدهم رسالة

صادقة للجماهير بدون استعمال كليشيهات حب الوطن والحرص على مصيره

هذه.. كنت اتمنى كذلك لو اثرت رسالتي بشخص واحد فقط منهم واقنعته

بالرحيل.. واحد فقط.. لعله يشكل قدوة للباقين يوما ما.. لعله ينصف طبقة

مكروهة في لبنان ويسقط التعميم عنها ويسقط مقولة ” كلن يعني كلن” لكن

هيهات..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: