أدب وفنون

كنت أظن أنني أعرف… أسامة النجار

كنت أظن أنني أعرف... أسامة النجار

من أسامة إلى من يود القراءة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد

اليوم وبعد مرور أسبوع أو أكثر على اعتزالي المدينة والبشر كنت في حالة من الضجر أجبرتني على تحليل أحداث كنت أحاول الهروب من التفكير فيها أو حتى الاعتراف أنها قد حصلت !

هنا في الريف
الوضع يبدو ظاهراً أنه لا فرق بين المدينة والأرياف، لكن استبدال ناطحات السحاب التي من اسمنت وطوب بنخل باسقات وأشجار خضرٍ تأسر القلوب لها وقع على النفوس عجيب !

كأن الطبيعة ريحٌ مرت على أرضٍ عظيمة لم تمنعها عظمة الأرض من الهبوب لتأخذ بيد خاطفة خير الأرض وشرها وتتركها أرضاً جرداء !
لم تبقِ سوى حقيقتها وروحها فيأتي صاحب الأرض يبحث عن ريح أرضه وريحانها فلا يجد سوى نفسه حذاءه تنتظر أن يحاكمها فتحاكمه فتزج به في السجن ظالماً ومظلوماً حقيراً ومذموماً عزيزاً ومرحوماً !

فالسجن والسجان والمسجون والقاضي والمحكوم وهيئة المحلفين والدستور والقوانين كلها واحد ! واحدة هي نفسك، واحدة هي روحك ! تلقاها كل يوم ورغم ذلك تجهلها !
تعلم ظاهراً من القول ويخفى عليك القول كله !

النفس كالطفل المدلل مهما أعطيتها لا تكتفي ومهما بذلت لأجلها لا تشتفي ومهما جاهدت في سبيلها لن تكون شهيداً !

اليوم جلست مع نفسي، ولم أكن أدري خسفي ولا كسفي ولا عزي ولا نسفي ولا ما كنت أجهله ولا ما كانت متاهاتي تخفي !

عرفت أنني لم أكن أصارحها ولا أرى مصالحها ولا أخشى جوارحها كنت فقط أحاول أن أكون إنساناً في عالم مجنون !
ولم أكن أدري أنني العالَم المجنون…

بدأت رحلة الكشف من أول يوم في معزلي الذي لم يكن هو نفسه في معزل تماماً، فهناك بعض جيراني يحبون الجيران الجدد والقدامى وأنا كشخصٍ جديد آتٍ من المدينة كنت محط انتباه فحاولوا التقرب وحاولوا المزاح وكنت بالصد عنوان كفاح وكنت أستغرب من نفسي لما كل هذا الصد…
أذكر أنني كنت ذلك الإنسان المرح الذي لا يهوى شيئاً سوى الفرح لكنني بعيداً عن انشغالات الحياة، قريباً من انشغالي بنفسي معتزلاً هموم المدينة راودتني نفسي عن نفسي !

كنت مضاداً للمرح مضاداً للفرح مضاداً للحب واللطف وكل ما هو جميل !
لم أكن حزيناً ولا مكتئباً كنت هادئاً !
كان الصمت سيد المواقف كلها…
حاولت الصراخ ولفظ أنفاسي الأخيرة لكن الكون كله كان يشد على عنقي يحاول خنقي ربما أو منعي من الكلام
لم يردني أن أموت ولم يردني أن أتكلم
أراد مني أن أعيش دون أن أعرف شيئاً !

كنت أظن أنني أعرف كل شيء !
حتى اتضح لي أنني لا أعرف أقرب الأشياء إليّ
لا أعرف نفسي !
لا أعرف من أنا
أضعت اسمي بين الأسماء
أصبحت الغريب الذي يجيب لكل الأسماء إن نادوه بها وإن نودي باسمه لا يجيب !

أعود إليك يا نفسي اليوم، فاسمعيني وأجيبيني وانظري حالي وراعني
أنا هشٌ كسنبلة فارغة وذو هم عظيم كغيمة مثقلة تكاد تنفجر ،تنتظر نسمة كي تنفجر وتخضب الكون كله بدموعها !
لا عجب أنني أحاول البكاء ولا أستطيعه !
لم تأتي النسمة بعد…
يا أيتها النسمة البعيدة أسرع الخطا إلي وحرريني من قيد الدنيا !
أزيلي كل الأقنعة التي سربلتني إياها الهموم !
حطمي كل حائط دفاع بنيته مخضباً بدمي !
أعيدي إلي اسمي…
فلدي موعدٌ مع روحي ومع نفسي وأريد أن أكون هناك باسمي الحقيقي…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: