أقلام وأفكار حرة

ما مدى تأثير كورونا على التّعليم في لبنان؟… بقلم الأستاذ عبدالكريم بارودي

ما مدى تأثير كورونا على التّعليم في لبنان؟… بقلم الأستاذ عبدالكريم بارودي

تسود أيامنا هذه مقولة “سينشأ في لبنان جيل جاهل بسبب كورونا”، فالمنهج قد اختُزل، والتّعليم وقته صار أقصر، والتّلاميذ لن يتمكنوا من الحضور في المدارس ولن يتوفّر لهم الشّرح الكافي. نعم، لقد وقعنا في آفة كورونا في الفترة الأخيرة، وابتعد التّلميذ عن مدرسته ومدرّسيه.

لكن ما مدى تأثير كورونا على مستوى التّعليم العامّ في لبنان؟ قبل أن نجيب على هذا السّؤال، استوقفتني إشكاليّة هامّة تمثّلت في الأسئلة الآتية :

– كيف نحلم بجيل مثقّف بوجود عيّنات كثيرة من أهالٍ غير مبالين بتعليم أبنائهم، بصرف النّظر عن أسباب عدم مبالاتهم!

– كيف ننتظر جيلًا واعيًّا وكثير من شبابنا وشابّاتنا يقضون معظم أوقاتهم على النّت والتّشات، ومتابعة أخبار المطربين والمطربات والرّاقصين والرّاقصات وعارضات الأزياء والفنّ الهابط ويرون فيهم مثالهم الأعلى!

– كيف يفكّر الطّالب بالعلم في بلد لا يمكنه فيه بلوغ الدّراسات العلميّة العليّا أو التّعاقد والتّوظيف من دون توفّر الواسطة!

– كيف لجيل يرقى بالعلم في بلد تُعرض فيه الكتب القيّمة على الرّصيف، والأحذية على أفخم الواجهات!

– كيف ننتظر جيلًا متعلّمًا مثقّفًا إذا لم نُوجد له فردًا يُتقن مهنة /رسالة التّعليم!

– كيف نطالب بجيل مثقّف خالٍ من الشّوائب الاجتماعيّة، وهناك مَن يعمل بالتّربيّة لديه صفات سلبيّة كالتّنمّر!

– كيف يمكن لبلد أن يؤمّن لأبنائه تعليمًا رفيعًا والمعلّم لا يُمكن أن يتفرّغ بشكل كاف لتطوير نفسه لأنّه دائمًا مشغول بتأمين العيش الكريم! وما أكثر المدرّسين، وخاصّة المتعاقدين منهم، الّذين يمتهنون عملًا آخر لتأمين عيش كريم لأنفسهم.

– كيف يُقدَّر التّلميذ العلم، وهو يعلم أنّ حامل هذه الرّسالة مهدّد بصرفه من عمله أو أن يُهان في أيّ وقتّ، بينما نرى الدّول المتطورة تهتمّ بالمعلّم وتكرّمه! وكيف وكيف  وكيف!!! وإليكم بعض تجاربي الشّخصيّة :

1- في الجامعة اللّبنانيّة / كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، معلومة في إحدى الكتب تتحدّث عن وقوع حدث في القرن السّادس عشر للهجرة. سألت عددًا كبيرًا من الطّلاب قبل دخولهم إلى القاعات لتقديم امتحان المادّة عن هذا الخطأ المطبعيّ:” فهل هو القرن السّادس للهجرة أم القرن السّادس عشر للميلاد؟”، فأجابوني: “لا ندري تمامًا، هكذا حفظنا”. وحين سألتُ دكتور المادّة عن هذا الخطأ، استغرب لوجوده في الكتاب واستغربتُ أنا أكثر أن لا أحد من الطّلاب قد انتبه إليه! فما لهذا الفهم والوعي عند الطّالب!

2- أثناء تسوّقي في أحد المحال، قام البائع بتمزيق أوراق من كتاب علميّ قيّم لتغليف بعض المشتريات ذات الأحجام الصّغيرة! فلم أدرِ أيّهما أقتني: المشتريات أم الورقة الّتي احتوتها! فأين أصبحت قيمة العلم!

لذلك عندما يتخرّج أحد طلاب الجامعة في اختصاص تعليميّ معيّن، يُكلّف بالتّعليم في إحدى المدارس. لكن ما هو قدْر خبرته في المهنة؟ وكم من السّنوات بحاجة إلى بناء ثقافة شاملة حقيقيّة عن المادّة الّتي يدرّسها؟ وكم تلميذ قد (مرّ تحت يديه) حتّى اكتسب هذه الخبرة والثّقافةّ؟ وهل هذا المدرّس قادر، نفسيًّا وتربويًّا، على معالجة مشكلة حدثت لدى أحد تلامذته؟

وهل يستطيع أن يقوّم التّلميذ بعد تقييمه؟ وهل يستطيع أن يخلّص التّلميذ من أساليب التّدريس التّقليديّة؟ وهل أمكن التّلميذ من توظيف ما بين يديه في استثماره في حياته اليوميّة؟ لو أنّ الحكومة تأخذ على عاتقها تدريب هؤلاء المدرّسين بقيامها مثلًا بدلًا من الدّورات المنحصرة في يومين أو ثلاثة وذات الفائدة القليلة بدورة سنويّة جدّيّة، يتلقّى المدّرسون خلالها العلوم التّربويّة التّعلّميّة، نظريًّا وتطبيقيًّا، لكنّا سنحصل على نتائج إيجابيّة هامّة في مجال التّعليم.

ومن جهة أخرى نرى كثيرًا من المعلّمين لا يتأكّدون من اكتساب تلامذتهم الكفاية المرجوّة، هذا إن كان هو يُدركها أصلًا، فنراه يقتصر بشرحه على بعض المعلومات أو القوانين النّظريّة الجافّة، بهدف أن ينال التّلميذ درجة عالية نسبيًّا، وقليلًا ما نراه مثلًا، يطرح في الاختبار أو التقييم سؤالًا يتعلّق بأمور حياتيّة ليتأكد من مدى استيعاب التّلميذ هذه الكفاية ومدى قدرته على تطبيقها على أرض الواقع، وكثيرًا ما نجده يجادل ويعاند ظانًّا نفسه أنّه امتلك المادّة وأنّ أسلوب تعليمه من أفضل الأساليب التّعليميّة.

وكم من مرّة اطّلعت على تمرين تعدّدت فيه الأخطاء: فهو لم يحتوِ على مشكلة، أو خلا من أي هدف، أوكوّن عند التّلميذ مفهومًا خاطئًا ومخالفًا للّذي تعلّمه! ولكن ماذا عن العلامة الرّفيعة الّتي ينالها التّلميذ عند هذا المدرّس؟ أليست العلامة الرفيعة هي دليل على تعلّم الطالب واكتسابه الكفاية! فى إحدى الثّانويات، كان مدّرس إحدى الموادّ العلميّة يُورد أسئلة قد حلّت سابقًا في الصفّ وكان أحد التّلاميذ يحفظ حلول هذه الأسئلة ليكتبها أثناء تقديمه الامتحان فهل خضوع التّلميذ لامتحان يحوي أسئلة متكرّرة أو سهلة يعني أنّه قد امتلاك مهارة أو اكتسب الكفاية بشكل حقيقيّ؟ وهنا لا بدّ أن أنّوه إلى أهميّة بعض القنوات العربيّة التّعليمية، غير اللّبنانيّة، الّتي تعرض شرح الدّروس لبعض الموادّ التّعليميّة بأساليب علميّة ناجعة تُمكّن الطّالب من استيعاب المعلومات وحفظها بشكل شبه دائم. كان لديّ إنجاز إحدى المعاملات التّربويّة الّتي بحاجة للمتابعة شخصيًّا، فتوجّهت إلى المركز التّربويّ الخاصّ لإتمامها، بعد أن تواصلت مع أحد الموظّفين العاملين في هذا المركز والّذي وعدني بتقديم المساعدة. عندما وصلت المركز، أوقفني عدد من الموظفين عند البوابة وسألوني عن سبب زيارتي المركز، فشرحت لهم باختصار السّبب وأنّه عليّ متابعة المعاملة شخصيًّأ وأخبرتهم أنّ هناك موظّفًا داخل المركز ينتظرني. رفضوا إدخالي وتعاملوا معي بأسلوب متنمّر وقالوا: “لينزل هذا الموظّف عندك كي يُدخلك!”، وهذا ما حصل تمامًا.

وهنا أتساءل: “كيف لمؤسّسة تربويّة أن يكون لديها هكذا موظّفون وكيف يتعاملون مع مدّرسين وتربوييّن وهم بهذا الأسلوب!”. وعليه فلا يجب أن نعجَب لوجود هكذا آفّة بكثرة بين أبنائنا. أظنّ أنّ هكذا عوامل وغيرها كفيلة على جعل مستوى التّعليم فيلبنان متدنيًا وعلى إنشاء جيل شبه جاهل سواء أوُجدت “كورنا” أم لم توجد! وما نعانيه اليوم تربويًّا أثناء كورونا كنّا نعانيه قبل “كورونا” ولكن بشكل خفيّ وبدرجة أقلّ، وما ظنّي أنّ أيّ مجتمع سينهض علمًا وثقافةً ما لم يتخلّص من هذه الشّوائب التربويّة والاجتماعيّة. نعم، أثّرت “كورونا” على مستوى التّعليم العامّ في لبنان إلى حدّ ما، ولكن المشكلة التّربويّة في لبنان تكمن حقيقةّ ما قبل “كورونا”؛ فالعلم لا يستطيع أن ينمو ويتطوّر في مجتمع شبه مريض أو بيئة غير خصبة، وعلى الحكومة أن تنتهج طرقًا تربويّة أفضل حتّى تعيد إلى اللّبنانيين قيمة العلم وثقتهم به.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: