أقلام وأفكار حرة

هَلْ وَصَلنا الحائطَ المَسدود؟!| عثمان المصري

هَلْ وَصَلنا الحائطَ المَسدود؟!| عثمان المصري

المُتابِع للشّأن اللُّبنانِيّ على كافَّة الصُّعُد (السّياسيّة والصحيّة والإجتماعية

والأمنيّة) -التي لم نَعُد قادرينَ على فَصلِها أو تمييزِها عن بَعضِها- يُلاحِظ وبِوضوحٍ

تامٍّ وبإدراكٍ لا يَميلُ إلى الشَّكِّ أنَّ سفينة لُبنان دخَلَت حَيِّدًا خطيرًا أشبَهُ ما يكون

“بِمُثَلَّث برمودا”، والأدهى مِن ذلك أنَّ قادَة هذه السَّفينَة راحوا يتبادلون التُّهَمَ

ويتراشَقونَها وكُلُّ واحِدٍ مِنهُم يُلقي باللَّومِ على الآخر جاعِلًا مِنهُ السَّبَبَ لِما وصلنا

إلَيهِ في الحَضيض الإقتصادِيّ والصحّي والإجتماعِيّ، بل بعضُهُم بدأ يلوذُ بالفِرار

تارِكًا الدَّفّة تسيرُ بالسَّفينةِ إلى المَجهول…

ولا يخفى على الجميع أنَّ القفزة التي قامَ بِها سِعرُ صرف الدّولار مُقابِلَ الليرَةِ

اللبنانيّة مُتجاوِزًا ال4000 ليرة لُبنانِيّة للدّولار الواحِد، كانَت بسبب اعتِماد تسعيرة

جديدة في أروِقة مصرِف لُبنان بحدود ال3600 ليرة للدّولار الواحِد، وهذا إن دَلَّ

على شيء إنَّما يَدُلُّ على استسلام السُّلطة المصرفيّة في لبنان للأزمة بعد

مكابرة طويلة الأمد قادها حاكِم مصرِف لُبنان الذي يُراد لَهُ مِن كافّة الأطراف

السّياسيّة أن يكون “كبش المحرقة” الوحيد في هذهِ المَهزَلَةِ التي وصلنا إلَيها،

وممّا يؤكّد على ذلك هو السِّباق الزَّمني الذي قام به رئيس الحكومة الحالِيّ

حسّان دِياب من خِلال مؤتمرِهِ الصحفيّ الذي حمّل فيه كل المسؤوليات لِحاكم

مصرِف لُبنان طالِبًا مِنهُ الخروجَ عن صمتِهِ ومُصارحة اللُّبنانيين، لكنَّ هذا الأخير لاذ

بصمتِهِ المُطبِق من خِلال إرسالِهِ عدّة أوراق A4 بِخَطِّ اليَد (تُشبِه كُلَّ شيء إلا

أوراق قطع الحِساب الرسميّة المُعتبرة)، مُعتَصِمًا بالقانون والدستور ومُتَحَدِّيًا كُلَّ

ما يُشاع عن إمكانيّة إقالَتِهِ مِن مَنصِبِه…

وبالتّالي فإنَّ استسلام رأس هرم السياسة الماليّة في لُبنان يدُلُّ وبِوضوح أنَّ

الإستقرار المرسوم منذ 30 سنة تقريبًا قد آذَنَ بِانتِهاء مُدَّة صلاحيَّتِهِ، وأنَّ هُناكَ

خريطة سياسيّة واقتصاديّة يتِمُّ رسمها لِلُبنان وشَعبِهِ في مكانٍ ما، وهذا يتطلَّب

أعلى درجات الوَعي مِن كافّة طبقات المُجتَمَع اللُّبنانيّ وخاصّة بعد عودة

الإحتجاجات والتَّظاهُرات في عدّة مناطِق لُبنانيّة على مدى الأسبوعَينِ

الماضِيَينِ، وذلك بسبب الغلاء الفاحِش الذي طالَ كافّة المُشتريات وخاصّة تلك

اليوميّة والضروريّة لتأمين مأكَلْ ومَشربْ المُواطنين…

ومِمّا يلفُتُ النَّظَر وبِقوّة، والذي قد لمسناه خلال أزمة وباء كورونا (كوفيد-19) هو

حِسّ التَّضامُن والمسؤوليّة لدى الشَّعب اللُّبنانِي، الذي عبَّرَ عن مستوىً عالٍ من

التآخي والمحبّة والتعاطُف بينَ كافّة شرائحِهِ على اختلاف مَشارِبِها، وذلك مِن

خلال حملات التبرُّع الحثيثة التي استطاعت أن تجمع مبالغ مُهِمّة، ومن ثمَّ إعادة

توزيعِها على العائلات المُحتاجة، وهذا يُظهِر أنَّ الشعبَ اللُّبنانِيّ قادِر بِنَفسِهِ

(دون الحاجة لهذه الطبَقة السياسيّة الرأسماليّة الفاسِدة) على أن ينهض وبِقوّة

مُتجاوِزًا كافّة الصِّعاب، وهذا الأمر مدعاةُ فخر لجميع اللُّبنانيّين وخاصّة الذينَ كانوا

في طليعَة ثورَة ١٧ تشرين، ولكن هل الثَّورة هي فقط تسكير السّاحات؟! وقطع

الطُّرقات؟! وإطلاق الهُتافات والشِّعارات؟!

نحنُ اليَومِ في مرحلة جديدة تمامًا، فَانهيار النّظام المالِيّ يُحَتِّم علَينا بِناء نظرَة

جديدَة كُلِّيًّا لِما هو قادِمٌ مِنْ أيّام، وعلينا أن نتستفيد وبقوّة من التضامُن والتآخي

الذي عرفناه ولَمَسناهُ بسبب وباء الكورونا (كوفيد-19)، فتحرير سِعر صرف الدّولار

الضِّمنِيّ الذي قام بِهِ مصرِف لُبنان، لن نستطيع تجاوزَهُ إلّا مِن خِلال نهضة

إنتاجيّة مدروسة ينطلِق بِها الشَّعب اللُّبنانِيّ مِنَ الصِّفر، ونحن قادِرونَ على ذلك،

والدليل يرتكِز على ثلاثة محاوِر:

1- لبنان كانَ في فترة من الفترات منطقة إقتصاديّة مهمّة وكانَ يعجّ بالمصانِع

والعَمَل، والإنتاجيّة كانَت قائمةً على قَدَمٍ وساق.

2- حملات التَّبَرُّع التي تُدَلِّل وبوضوح على سخاء اللُّبنانيين وتكاتُفِهِم في سبيل

تجاوز الأزمات.

3- وجود الكفاءات والأدمغة القادرة على التصنيع والإبتكار والإنتاجيّة. (نتذكَّر هُنا

الشباب اللُّبنانيين الذينَ قاموا بتصنيع أجهزة التَّنَفُّس)

إذًا وبالإرتكاز على هذه المحاوِر، متجاهلينَ كل الأطياف السياسيّة الفاسدة،

يجعلُنا قادرينَ على تفجير ثورة إنتاجيّة صناعية تُنعِش البَلَد إقتصادِيًّا، آخذينَ بعينِ

الإعتبار الإستمرار في حملات التوعية لتحجيم وتقزيم دور زُعماء الطوائف وخلق

قاعدة شعبية واسعة ولاؤها الأوحَد هو الوطن، ولا مجالَ في نفوسِها للطائفيّة

البغيضة أو المناطِقِيّة العَفِنة.

وأخيرًا وليسَ آخِرًا، إذا كُنّا قد وصلنا إلى الحائط المسدود سياسيًّا أو مالِيًّا أو

إجتماعِيًّا، هل سنكونُ على قدر من المسؤولية بِما يُمَكِّنُنا مِن تجاوزِ هذا الحائط

إلى برِّ الأمان؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: