القسم الأدبي

ثمن الحرية/ بقلم الكاتبة : إنجى الحسينى

( من المجموعة القصصية : بعد الرحيل )

في لحظة ما، قرَّرت أن تتمرد على قيود التقاليد.. ارتدت ثوبها المفضل، قصيرٌ بألوان الربيع، ومطبوع عليه رسومات متنوعة.. ورود وأزهار، وانطلقت بين المروج الخضراء.

 راودها شعور بأن تمشي على العشب بقدمين حافيتين، كى تحسُّ بأوراقه وهو يدغدغ كعبيها ، نزعت حذاءها البسيط، وتلمست بيديها أغصان الشجر من حولها، وأنحنت برأسها بين الفينة والأخرى  لتتنسم رحيق الأزهار.

انتابتها فرحة غامرة ملأت قلبها، جعلتها تطلق لشعرها العنان كي ينساب على كتفيها متحررًا من قيد ربطة طالما شكت منها، ثم أخذت تجرى.. وتجري ، وصدى ضحكاتها العالية يقطع الصمت الثقيل.

وما بين شعرها المتطاير حول وجنتيها، وأنفاسها اللاهثة المتقطعة، ارتفع فستانها القصير بفعل الرياح كاشفًا عن ساقين بضتين، وسرعان ما أطلقت صرخة فشلت في كتمانها.. فقد خدشها غصن صغير.

 ألقت نفسها على العشب تلتقط أنفاسها الضائعة ليدنس الطمى الرطب زهرات فستانها ولم تلق بالًا لذلك، حيث انهمكت تمسح خيط الدم الرفيع المنساب على قدمها ولم تنتبه أن هناك عيونًا يملأها الشر ترقبها خفية ..

انطفأت الابتسامة سريعًا على ثغرها الفتان .. بفعل الألم، وقسوة النظرات التى تنبهت إليها فزعة.

…………………..

حاولت أن تلملم بقاياها  لتقف هاربة من فتك وحوش تكاد تتبين ملامحهم، ولكنها لم تقدر .. ضمت ساقيها إلى صدرها المنفوخ وتكوَّرت داخل فستانها رعبًا، والعيون تحاصرها وتضيق حولها شيئاً فشيئاً وهى تقترب فى شرر يتطاير صوبها من كل اتجاه،  زحفت للخلف والخوف يعترى كل خلجاتها بعد أن شل الرعب تفكيرها..

كادت تصرخ هل من مغيث ؟ لكن ضاع صوتها بين جنبات صدرها، وسالت دمعةٌ حارَّة من مقلتيها كالنار تحرق وجنتيها المتوردتين، رفعت يديها لتحمى نفسها من بطش الرجال حولها، وأغمضت عينيها متنهدة باستسلام باكٍ  فى انتظار مصيرها..

امتدت إليها الأيدى الغليظة يجرجرنوها بين أوراق الحقل، والتى صارت كالسيوف تخدش كل جزءٍ من أجزاء جسمها بلا رحمة، نزفت دمًا وبكت بحرقة وهى ترفع رأسها لتنظر إلى وجوه يملأ قسماتها القسوة ..

وما بين آنينها المتحشرج، تعالى صوت نحيبها وهم يسحبونها كالذبيحة وركبتاها الداميتان تتركان أثرًا على كل بقعة مرت عليها ليضعونها فى النهاية بين يدى الجزار، وخلف أهدابها المبللة بالدموع رأت أهل القرية كلهم مجتمعين وبينهم وجوها تحبها تنظر إليها بغضب ومقت عجيب.

…………………….

 رأت أباها جالسًا على كرسي ممسكًا بمقص بين يديه، وحوله عدد من الرجال الأشداء، قام أحدهم بلوى ذراعيها خلف ظهرها بقوة ألمتها ألمًا شديدًا وتعالى صراخها من شدة الوجع.

نادت أمها: أمى، أمى .. لكن نظرات أمها إليها أكثر إيلامًا على نفسها من ذلك الألم الذى سرى فى كل أنحاء جسدها،كتمت صراخها وحملقت برعب شديد إلى يد أبيها الحبيب القابض على  المقص القريب من عينيها.

 أمسك أبوها برأسها بقوة وشد شعرها الناعم وهو يلفه حول يديه، ولم يتركها إلا بعد أن رمى خصلات شعرها الطويل إلى جانبها على الأرض، اتسعت حدقتاها وهى تنظر إلى شعرها فزعة ودخلت فى إغماءة عميقة.

………………

لم تدرِ كم لبثت ، فقد استفاقت لتجد بجوارها بعض نساء العائلة وهن يحيطن بها من كل جانب. تأوهت من الألم المبرح الذى يكاد يمزق ضلوعها.

 التفت إليها إحدى النساء وقالت لها بنبرة حزينة: ايه اللى عملتيه يا  مسكينة ؟ بتخلعي هدومك وطرحتك وتجرى عريانة بين الزرع؟!

لم تجب وتحسست شعرها، وبصوت مبحوح طلبت منهم مرآة، ونظرت إلى صورتها وهالها ما رأت، فشعرها قصيرًا جدًا مقصوصًا كالرجال، أعطت ظهرها للنساء من حولها وتكومت وبكت بحرقة، والجروح تملأ كل أجزاء جسمها الضعيف .. ظلت على هذا الوضع تئن آنينًا موجعًا وهى تستمع إلى عبارات اللوم والسباب من بعضهن وإلى التعاطف من آخريات ممن يتمتعن بالقليل من الشفقة ..

لم تعد تغادر فراشها كثيراً وصارت تأكل القليل وظلت على هذا الحال لمدة شهر كامل، لم ترِ فيه وجه أمها أو أبيها أو لربما مرا أمامها دون أن تفطن إليهما.

 بعد فترة طاب جسدها، ولكن ظل بداخلها جرح دامٍ لم تبرأ منه أبدًا، ولم تعد تغادر الدار منذ ذلك الحين كثيرًا، و تنام أغلب فترات النهار حتى تتجنب رؤية أبويها بحيث تستيقظ ليلًا تراقب القمر من خلف نافذة الغرفة التى أصبحت جزءًا منها.

تعمدت أختها الصغرى أن تجالسها أحيانًا للتسرية عنها، أخبرتها كيف حملنها إلى الدار، وكيف انكبت هى وأخواتها على علاجها، وحاولت أن تبرر لها أن ما فعله أبوهما شيئًا اضطراريًا حتى يستطيع أن يمشي عال الرأس بين أهل القرية، أنصتت ولم تجب فقد أصبحت نادرة الكلام، حتى ُخيل إليها وإلى من حولها أنها فقدت النطق، حتى عيناها انطفأ فيهما ذلك البريق اللامع الذى كان يشع منهما.

تمنت أن تجد العذر لأبيها ولأمها، ولكن نظرات البغض والمقت التى رأتها ذلك اليوم لم تبارح مخيلتها، ولم تترك لها سبيلًا للصفح عنهما.

فى اليوم التالى وهى جالسة فى غرفتها تأكل ، ناداها أبوها، قامت وهى ترتجف وشعرت بالبرودة تسرى بين أوصالها وهى تسمع صوته وأحست بحزن شديد وهى ترى أمها، والتى حاولت أن تراضيها فيما بعد، ولكنها لم تعد تتحمل لمسة من يدها ، بل صارت تشعر بخشونة يد تلك المرأة وترى في وجهها التى طالما أحبته فى السابق، وجهاً لا تطيق النظر إليه ..

هبت من أفكارها وجرت مسرعة تلبى نداء أبيها، والذى قال لها آمراً : من بكرة هاتأكلي معانا زى إخواتك.

أومات بالإيجاب، وهى منكسة الرأس، لا ترفع عينيها إلى عينيه، وكما أمرها أبوها جلست بجوارهم على طاولة الطعام، نظرت بعين باكية إلى حجريها حتى وضعت أختها الصغرى طبقًا به بعض الطعام أمامها، فأكلت ببطء وهى صامتة .

……………….

بعد فترة وجيزة من الزمن..  استيقظت على صوت الزغاريد يجوب أرجاء المنزل، فقد جاء أحد العرسان لأختها الصغرى، لم يكن من عاداتهم وتقاليدهم أن تتزوج صغرى الفتيات فى وجود أخت تكبرها، ولكنها علمت أنها لم تعد مرغوبة من رجال القرية، ولم تعلم أتفرح بذلك أم تبكى ؟! أتفرح لأنها لن تتزوج من هؤلاء القاسية قلوبهم أصحاب العادات والتقاليد العفنة ؟ أم تحزن لأنها أصبحت كالأرض البور ولن تعرف سبيل الخلاص من هذين المدعين اللذين أنجباها ؟.

جلست بعيدًا وهى تشاهد نساء العائلة وهن يصففن شعر أختها، ورأت أن تنزوى وحيدة حتى تمشط ما تبقى من شعرها، فلم تعد تزيح غطاء رأسها أبدًا، وراقبت عن كثب مراسم الزفاف وهى جالسة بركن يحفظها من الأعين المتطفلة وتملصت من الحفل لتنأى بغرفتها بعيدًا عن الفرح السعيد حتى لا تشاهد سيدات العائلة وهن يساعدن الزوج على فض بكارة أختها البريئة ليتباهى بدماء الشرف أمام جمع غفير من الحمقي.

……………

فرغت الدار يومًا بعد يوم وأخواتها يتزوجن الواحدة تلو الأخرى ولم يتبق غيرها، ومازالت تلك المرأة البغيضة تخدش قلبها حين تسمعها وهى تصفها بالأرض البور وتشكو لذلك الرجل المدعو أبيها بأن ابنتهما ستظل هكذا طوال حياتها بعد أن  تخطت الثلاثين بدون زواج.

تذكرت حينما هرعت تلهو بين الزروع وعمرها ثمانية عشر عامًا، مجرد لحظة أرادت أن تشعر فيها بحلاوة الطبيعة وبمعنى الحرية التى دفعت لها ثمنًا باهظًا،فقد فقدت فى ذلك اليوم الأغبر شعورها بكونها أنثى، عندما رأت شعرها الطويل ملقى على الأرض، وافتقدت بعدها حبها لأهلها وأهل قريتها واحساسها بالأمان، بل وضاع منها طعم السعادة وأصبحت صديقة للصمت والحزن، تأكل لتعيش، وتؤدى الأعمال التى تطلبها منها أمها فى هدوء وكأنها شبح يشاركهم المسكن.

………….

بعد مرور عام  تقريبًا وجدت أختها الصغرى والأقرب إلى قلبها تدخل عليها فرحة، وهى تقبلها بسعادة قائلة: إن شاء الله هانفرح بكِ قريب، صاحب جوزى عاوز عروسة طيبة من بلدنا تعيش معاه فى مصر، وجوزى قاعد مع أبوكى ليقنعه بالموافقة على الجواز ..

ابتسمت هناء ابتسامة واسعة، وقالت بصوت مسموع يشوبه الفرحه: مصر.

سألتها أختها باستغراب:  هو ده اللى فرحك يا هناء، مش فرحانة  أنك هاتبقي عروسة وأم ؟!!

أجابت هناء: لأ، أنا فرحانة  أنى هاسيب المكان الكريه ده، واللى  اتحملته سنين طويلة..

أنصتت هناء وأختها إلى حديث زوج الأخت وأبيها، كان الأب يرفض فكرة زواج ابنته من غريب عن القرية والحياة بالقاهرة بعيدًا ..

………………

لم تصدق هناء نفسها، ما هذا الذى تسمعه ؟! أيريد هذا الوحش أن يحرمها من فرصة الحياة الأخيرة بالنسبة لها بعد أن حبسها وحرمها من تكملة تعليمها كباقي أخواتها، بعد أن أهانها أمام أهل القرية كلها، أيريد أن يحرمها فرصة أن تتزوج وتصبح أمًا من الرجل الوحيد الذى تقدم لخطبتها بعدما رفض كل رجال القرية الارتباط بها وهى الآن تكاد تبلغ الرابعة وثلاثين من عمرها.

اندفعت من غرفتها نحو أبيها صائحة فى وجهه بقوة وهى تنتفض باكية قائلة بعبارات قاسية: عاوز منى ايه يا راجل أنت ؟! عاوز تحرمنى من حق الحياة باقي عمرى، عاوزنى أعيش فى الأوضة دى وأدفع حياتى تمن لعاداتك وتقاليدك، أنا بكرهك وبكره البيت وبكره الست اللى جوه، أنا راضية اتجوز من الراجل  المجهول اللى جاى من مصر، ولما امشي من هنا، عمرى ما هافتكرك فى يوم من الأيام ولا هافتكر أى إنسان بالمكان الكريه ده…

اقترب منها وهو يكاد يهوى بكفيه على وجهها صافعًا، وانتظرت هى ذلك غير مبالية، ثم توقف مكانه صامتًا ونظر إليها نظرات يملأها الحزن، وبعينين تتخللهما الدموع وجدها تقف مرتعشة، مرتعدة، تهتز بالبكاء، لم يسمع صوتها منذ سنوات بعيدة إلا بعبارات لم يتبينها أبدًا وها هى تنطق لتصرح عن كرهها له.

التفت إلى زوج ابنته وقال له بصوت حزين: قل لصديقك إنى موافق وخير البر عاجله ..

…………

كان فرحاً بسيطًا، أصرت هناء فى نهاية نفس اليوم أن تسافر بصحبة عريسها إلى القاهرة، أخبرته إنها تريد قضاء ليلتها الأولى فى بيتها، فى مملكتها ..

جلست بجواره فى القطار سعيدة برحيلها عن مكب الأحزان وسجن الصمت الذى عاشت بين جدرانه سنينًا طويلة، لم تكن تشعر بأى مشاعر تجاه ذلك الرجل الجالس بجوارها، فما هو إلا طوق النجاة بالنسبة لها.

تأملت القطار وهو يقطع المدن، المدينة تلو الأخرى لتهجر الذكريات الأليمة وتسير نحو المجهول بصحبة رجل لا تعرفه، كم فكرت فى الهروب مرارًا، وكم جبنت عن تنفيذ ذلك خوفًا من العقاب، لذلك فعرض الزواج هو الحل الوحيد لتنطلق بعيدًا وهى لا تعلم أينتظرها مستقبل سعيد أم مزيد من الآلام، لاحظت زوجها وهوينظر إلى جمالها بشغف، ولكنها لم تهتم فلم تنقطع أفكارها المتتابعة حتى وصلا وبدأت رحلتها إلى مسكن الزوجية، حيث سترى بيتها لأول مرة ..

………..

“برجلك اليمين يا عروسة “: قالها زوجها ضاحكًا وهو يفتح لها باب شقتهما بالقاهرة، ودخلت ودخل خلفها وهو ينير كل أرجاء المنزل.

فى هذه اللحظة أحست بأن الماضى أصبح خلف ظهرها وأن بانتظارها حياة جديدة، تأملت أرجاء المكان بانبهار، فهو  جميل على نحو عجيب، لم تتوقع أنها ستعيش فى ذلك البيت الأنيق الذى يميل إلى الترف.

 التفتت إلى زوجها أو منقذها الواقف خلفها ونظرت إليه بعمق، تأملته لأول مرة بتمعن، لم يكن قبيحًا لكنه عادى ذو مظهر مقبول، وخيل إليها أنه يملك وجها ًكوجوه رجال السينما، فهو أيضًا ممشوق القوام، طويل القامة .. نظر إليها مبتسمًا سائلًا: عجبك البيت يا عروسة ؟

ردت وهى تبادله الابتسام حتى كشفت عن أسنانها الناصعة البياض: بيت جميل مثل صاحبه .. قالت ذلك وهى تنظر إليه نظرات زوجة مقبلة على الحياة، أخذها من يديها ومشت معه فى هدوء مريح ودخلا  غرفة نومهما وأغلقا الباب خلفهما.

………………..

مر الوقت سريعًا ليفتح نفس الباب مرة أخرى بعد تسعة أشهر وخرج حاملًا ابنتهما بين يديه، وأمه تكاد ترقص فرحًا مستفسرة عن اسم حفيدتها، والتى وضعها ابنها بين أحضانها.

 هرع إلى غرفة زوجته المتعبة طابعاً قبلة على جبينها، سائلًا: حبيبتى ، تحبي نسمى بنتنا ايه ؟

أجابته بصوت متعب: أمل.  ثم مدت يدها وأمسكت يديه وقبلت كفيه بامتنان قائلة بصوت واهن: أشكرك يا حبيبي على السعادة اللى عيشتنى فيها وتابعت: فين ماما ؟

نادى زوجها أمه لتدخل وهى تحمل رضيعتهما ليجلسوا جميعًا يخططون كيف سيحتفلون بثمرة زواجهما الميمون ..

…………..

مرت السنوات،كانت هناء تجرى وراء ابنتيها حتى أمسكت إحداهما ضاحكة وهى تقول: يالا نلبس ونسرح شعرنا الجميل  هانروح النهاردة للملاهى .

ساعدت هناء ابنتيها فى ارتداء ملابسهما وصففت شعرهما الطويل، وهى تسرح بعيدًا فى حياتها السابقة، وكيف انتقلت من قرية فقيرة متزمته التفكير لتعيش أسعد أيام حياتها، فالزمن كان رحيمًا بها عندما رزقها زوج طيب وتوج ذلك الزواج بأبنتين هما كل دنياها القادمة.

كانت ترتدى بلوزة قصيرة مشجرة ذات ألوان مبهجة على بنطلون أزرق ضيق و شعرها يحيط بجنبات وجهها الرقيق، لم تغطى شعرها يومًا بعد أن غادرت قريتها .

أجلست الفتاتين الصغيرتين أمام التلفاز حتى تستعد هى وأبوهما .

ودخلت إلى غرفة نومها وطبعت قبلة رقيقة على خد زوجها، ثم جلست أمامه على ركبتيها تساعده فى ارتداء حذائه، رفع رأسه سائلًا باستغراب: بتعملى كده ليه  ؟أنا أقدر أعمل ده لوحدى.

أجابته وهى تنظر إليه بعشق: بحبك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: