أمن وقضاءالأسرةالصحةقسم التربية والأسرة

الانتحار، لماذا؟ و ما هو موقف علم النفس والدين – مهند سراج

مهند سراج – اختصاصي في علم النفس العيادي

يتشكل قلق الموت في وعي الإنسان ولا وعيه على السواء كموجة تتغلب عليها غرائز الحياة، فتبدو صورة الموت مرعبة للأحياء فيتهيبونها ويقاومونها بشتى الأشكال، ولذلك تشكل ظاهرة الانتحار استغرابا كبيرا يبدو كجرح عميق في وجدان الإنسانية وكأنما الموت يقترب منا بشدة، فمنا من يترحم على المنتحر ويتعاطف معه، ومنا من يهاجمه باعتباره عدوا للحياة أو فاقدا للإيمان. ولكن تجربة المنتحر قد تكون بعيدة عما يدور في هواجس الناس، لذلك يحق لنا أن نسأل: ما الذي يدفع الإنسان لأذية نفسه وإنهاء حياته؟

إحصاءات محلية

رغم التكتم الشديد على موضوع الانتحار إلا أن الإحصاءات في لبنان تشير إلى أن نسبة الانتحار في ازدياد في السنوات الأخيرة، وقد توصلت الدراسات إلى أن كل يومين إلى ثلاثة أيام هناك شخص يقتل نفسه. بينما يحاول شخص كل ست ساعات أن ينهي حياته ولكنه ينجو من الموت، والأعمار المعرضة لقتل النفس هي ما بين 15 و30 سنة أي في زهوة الشباب والعنفوان.

ما هي الأسباب

  • يشير المتخصصون إلى أن 90 بالمئة من أسباب الانتحار تتعلق بالأمراض النفسية والعقلية، ومن بينها الاكتئاب depression وثنائي القطب bipolar والفصام schizophrenia.
  • يقوم الشخص بإنهاء حياته غالبا لأسباب تتعلق بالألم النفسي الحاد، والتي تساهم في ازديادها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تشكل ضغوطا كبيرة لا يمكنه أن يتحملها.
  • تؤثر العلاقات العاطفية والأسرية المضطربة في تفاقم الضيق النفسي وتزداد مشاعر الوحدة والعزلة وعدم التقبل لدى من يفكر بإنهاء حياته.
  • من يفكر بالانتحار لا يتلقى المساعدة اللازمة ولا يتم الاستماع له أو تفهم مشاعره واستيعاب ما يعانيه، أي أنه يتعرض للإهمال العاطفي، إن لم يتحول إلى العنف البدني.
  • كثير ممن يؤذون أنفسهم يشعرون بالاضطهاد بحيث يمارس عليهم التنمر اللفظي والجسدي والالكتروني، لأسباب تتعلق بالإنتماء والخصائص الشخصية، كالجنسية والعرق والمعتقدات ولون البشرة أو كونهم مختلفين بشكل عام.

ما هي مؤشرات الانتحار

  • الانسحاب من الأنشطة الممتعة والمعتادة التي كان يمارسها.
  • الشعور الشديد بالإحباط واليأس والضيق.
  • الاهتمام فجأة بالموت وتمني الموت، والتحدث بذلك مع أناس مقربين أو على صفحات التواصل الالكتروني.
  • أفكار ضاغطة سلبية ومنها الأفكار الانتحارية.
  • السلوك المتهور كقيادة السيارة بسرعة رهيبة أو استخدام الكحول والمخدرات بشكل مفرط.
  • تصرفات غريبة مثل توديع أحبائه أو التخلي عن ممتلكاته المهمة لأسباب غير مفهومة.
  • تجهيز أدوات ليستخدمها في إنهاء حياته، وكتابة وصية.

ما هي مؤشرات الانتحار لدى الأطفال والمراهقين

  • يعبرون عن عدم فهم والديهم لهم.
  • يشعرون باليأس والحزن والوحدة.
  • تم تعرضهم مؤخرا للتنمر.
  • تم تعرضهم مؤخرا للتحرش الجنسي.

ما هي سبل الوقاية من الانتحار

  • المسؤولية الشخصية: مراقبة الذات والاهتمام بها والسيطرة على الأفكار السلبية وعدم التمادي بها، وطلب المساعدة لمواجهة المشكلات المختلفة، ومنها العلاج النفسي بحال وجود اضطراب أو عوارض مرضية.
  • المسؤولية الاجتماعية: واجبات الأصدقاء والعائلة كالزيارة والاطمئنان والتواصل الدائم والسماح بالتعبير عن المشاعر من دون إصدار أحكام، وتأمين المساندة العاطفية اللازمة عند الأزمات.
  • المسؤولية الرسمية: تأمين الظروف الملائمة من حيث الأمن النفسي والاجتماعي والاقتصادي وتأمين فرص العمل والأجر الكافي للعيش بكرامة، بالإضافة إلى تأمين الخدمات الرعاية الصحية والنفسية.

ما هو موقف الدين من الانتحار

من أهم مقاصد الدين الحفاظ على الحياة، ولذلك يعلم الجميع صغارا وكبارا أن الانتحار حرام قطعا ولا تبرير للانتحار، وهذا عامل مهم يردع الشخص عن قتل نفسه وأذيتها، ولكن هذا الموقف ينبغي التلطف في إظهاره عند لحظة حدوث الانتحار لا سيما في وسائل الإعلام والتواصل الالكتروني، بل وينبغي تأجيله لظروف أخرى حتى لا يتسبب في تفجير حوادث انتحار أخرى، بسبب الأسلوب المؤذي الذي يتكلم به الناس، لا سيما أن إظهار موقف الدين الآن بالتحديد لا ينفع المنتحر لأنه قد مات فعلا! ولكنه يضر من يشكو من أفكار انتحارية ضاغطة ويسبب موته.

وينبغي التشديد أن الدين كلمة طيبة رحيمة لا ينبغي أن تتحول سببا للموت، والدين عامل وقاية من الانتحار والأمراض النفسية، وعلى المؤمنين أن يساندوا أبناء مجتمعهم ويحسنوا التعامل معهم بأخلاق رفيعة، ويتقبل المؤمن الواعي فكرة المرض النفسي على نفسه وعلى غيره ويدعو للعلاج النفسي المتخصص إلى جانب القيم الدينية مثل الصبر والتوكل والخوف من الله.

الوسوم
اظهر المزيد

مهند سراج

اختصاصي في علم النفس العيادي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: