القسم الأدبي

عفريت على أريكتي

الكاتب والروائي عزام حدبا

عزيزي القارىء.. ترددت قبل أن أروي لك قصتي.. فلعلك لن تلقي لها بالا كما فعل كل من رويتها له من الأصحاب.. لكن كلي أمل أن تكون مختلفا عنهم.. فجلهم يعيش على هامش الحياة لا هم له الا جمع المال وارتياد المطاعم الفارهة.. أما انت فألتمس في محياك علامات النباهة.. منذ عشرين عاما درست الطب النفسي وافتتحت عيادة لي في وسط المدينة.. وما هي الا سنوات حتى ذاع صيتي بين الناس كطبيب ناجح وتقاطر علي المرضى من كل حدب وصوب. في عيادتي النفسية استقبلت الكثير من المشاهير ونجحت في علاجهم جميها ولله الحمد.. وظل سجل انجازاتي خاليا من الفشل الى ان زارني ضيف فريد من نوعه..
دخل عيادتي بصمت.. لم تشعر به الممرضة ولا السكرتيرة.. خلع معطفه الثقيل من ثم تمدد على أريكتي بعد أن وضع يديه تحت رقبته وأسند رجليه الى حافة الأريكة..
– هل لي أن اعرف كيف دخلت الى هنا؟؟ سألته وأنا اكاد لا اصدق ما أراه..
– أنا عفريت القمقم.. قال لي.. لا احتاج للعبور التقليدي كسائر المرضى.. فأنا أحط رحالي حيث اشاء بلمح البصر
– وبم أستطيع أن اخدمك؟؟ سألته دون أن تفارقني الدهشة..
– أشعر اني فاشل.. قال العفريت.. وسمعت انك طبيب ماهر.. لعلك تستطيع ان تصف لي علاجا ناجعا..
ضحكت نصف ضحكة وقلت مستغربا:
– كيف يشعر بالفشل من يحقق أماني الناس وأحلامهم؟؟
استوى العفريت في جلسته وقال:
– معك حق ان تستغرب.. انا كذلك لم اتخيل أن اشعر بهذا الشعور حتى استحوذ علي سيد جديد بالأمس.. كان هزيل الجسد.. رث الثياب..
– وطلب منك كنوز سليمان الحكيم؟ سألته بفضول
– ليته فعل.. لقد طلب ما هو أصعب.. قال العفريت ثم صمت هنيهة وتابع: سألني هل تستطيع أن تجعلها تحبني؟؟
قلت: بوسعي أن آتيك بأجمل الأميرات وأبهى الحوريات لكن ليس بيدي مفاتيح القلوب..
قال: هل تستطيع أن تمنحني فرصة ثانية معها؟؟
قلت: بوسعي أن أجول بك البحار السبع والممالك السبع وبوسعي أن احملك الى أي مكان تريده في لمح البصر لكن ليس بيدي أن أعود بعقارب الساعة الى الخلف، ولا أن اعود بك الى الماضي.
قال: فهل تستطيع أن تحيي قلبا قد مات بعدها؟؟
قلت: بوسعي أن أعالج الجروح وأجبر كسور العظام لكن ليس بوسعي احياء القلوب وهي رميم.
ابتسم سيدي ابتسامة صفراء وقال لي: فلا حاجة لي بك اذن.. ثم أشاح بوجهه عني وتركني كسيرا ذليلا كما تراني الآن..
وضعت يدي على كتف العفريت وربتت عليها وقلت له:
– بوسعي أن اعالج الفصام والعصاب وكل الأمراض النفسية ولكن ليس بوسعي ان أواسي عفريتا كسير القلب..
نظر العفريت الي وابتسم قائلا:
– لا تقلق.. لقد فعلت ذلك للتو..
قالها ثم اختفى فجأة كما ظهر.. وتطلب مني جوابه يوما كاملا حتى افهمه.. لقد تشاركنا نحن الثلاثة نفس المحنة وكان في هذا كل العزاء له.. ولعله يكون العزاء لك ايضا يا عزيزي القارىء.. فأنت ايضا كسير القلب مثلنا.. كما أرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: