القسم الأدبي

نصّ بعنوان: الوداعُ الأخير…

نور غنطوس

عندَما نمسكُ بأطرافِ أصابعِنا ما لا يمكنُ لمسُهُ، عندما نتكلَّمُ بطلاقةٍ، عندما نَرمي أنفسَنا منْ أعالي الشُّرَفِ العتيقةِ ونهدأ… لنحيا من جديد.
عنِ الشَّوقِ، عنِ الألمِ والنَّدمِ، وعَنّا عُمومًا، ولأنَّ الجميعَ هُنا حاضرٌ للاستماعِ، قرّرتُ أنْ أكتبَ عنْ آخرِ شارعٍ جمعَنا سَوِيًّا، عنْ آخرِ جِعَةٍ كنتُ أشربُها قبلَ أنْ أتذوَّقَ طعمَ رحيلِكِ المرَّ.. وأكتبَ.. وأختفيَ..
الشَّوقُ موتٌ للعقلِ، مورفينٌ للجسدِ، وذنبٌ كبيرٌ للنَّفسِ، كلُّ هذهِ خرافاتٌ لجعلِنا أمواتًا يتنفّسونَ.. لطالَما كتبتُ عنِ الجثَّةِ الَّتي في قَلبي، إنَّها ما زالتْ تتنفّسُ، وما زالتِ المقبرةُ جميعُها على قيدِ الحياةِ..
والأشياءُ تتغيّرُ، كتغيُّرِ الإنسانِ معَ نفسِهِ، خصوصًا عندَما يبدأُ رحلتَهُ الأولى معَ الشَّوقِ، تلكَ الرِّحلةُ الَّتي لم يسبقْ لأحدٍ أنْ عادَ منْها بأكملِهِ، أيْ بمعنى: نحنُ نفقدُ جُزءًا كبيرًا ضائعًا معَهم، أولئكَ الَّذينَ تعيدُنا ملامحُهُم ألفَ خُطوةٍ إلى الوراءِ وكأنَّنا لم نمضِ قُدُمًا نحوَهم أبدًا، فينقَطعُ الضَّوءُ ويَختفي القمرُ، لتعلنَ السَّماءُ الضاحكةُ لحظةَ انعكاساتِها.. وتَبكي عليْنا..
يومًا، يوميْنِ! بل أشهرًا عديدةً وأنا أحاولُ التَّخلُّصَ منْ شبحِ هيكَلِكِ المبنيِّ على رحابِ قَلبي، رائحةِ شعرِكِ، ضحكتِكِ المتقطِّعَةِ ووضوحِكِ التَّامِّ الَّذي أدمنتُهُ وسطَ بعثرةِ ضجيجِ الآخرينَ..
لا أكذبُ عليكِ فأنا، فكَّرتُ في نسيانِكِ دفعةً واحدةً، وحاولتُ، حاولتُ مرارًا أنْ أنجوَ منْ ذاكرَتي الَّتي لا تغفرُ شيئًا وفشلتُ..
بتُّ أركضُ نحوَ الهاويةِ، حاملًا في جُيوبيَ السِّرِّيَّةِ رسالةً أخيرةً كتبتُ فيها: “يا للنِّسيانِ عندما يُنسِيني، أنّني في حضرةِ امرأةٍ لا تُنسى”..
لا أكذبُ عليكَ فأنا حاولتُ التَّخلُّصَ منْ ذاكَ الشَّبَحِ عبرَ طُرقٍ لا مخرجَ لها، وجدتُ نفسي أتقلَّبُ غصبًا في دوّامةِ “حبٍّ وفرحٍ وحزنٍ”، لتمضيَ بي الأيَّامُ على دوامِ حالي، خاليًا منْ كلِّ شيءٍ، ممتلأً بخبرِ رحيلِكِ…
عنِ الشَّوقِ… مشاعرُ لا تُحكى، ولكنَّني علمتُ أنَّها مجرّدُ أمسيةٍ وستَنقَضي، ليعودَ كلٌّ منّا إلى ديارِهِ مبتَسمًا، وأعودَ أنا إلى الشَّارعِ الأوّلِ مُعلنًا فيهِ اشتياقي، وحيدًا أجمعُ بَقايا خيبةِ الوداعِ الأخيرِ، وأحتضرُ…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: